الموصل.. العودة للمربع الأول وخيار إنقاذها

[ad_1]

مأساة مجتمع مدمَّر
تدويل قضية الموصل 

الحصيلة السياسية لمعركة الموصل هي عودتها إلى المربع الأول، وإلى النظام السياسي الذي سلبها حقوقها ورفض مطالبها السلمية، وانسحب منها وسلمها إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

نتائج هذه المعركة -في حجم التدمير- فاقت كل خيال، وأخذت الموصل موقعها في قائمة المدن المدمرة في التاريخ جنباً إلى جنب مع روما وهيروشيما وبرلين وستالينغراد وغروزني.

ومن المبكر جداً التعرف على حجم الدمار الآخر الذي سيجتاح مجتمع المدينة، الذي بات يتكون من اليتامى والثكالى والأرامل والشيوخ والفقراء والأميين، ومن الذين سيعانون من صدمات نفسية مزمنة.

الرأي الذي سبق المعركة وكان مثار جدل عميق بين من حذر من الطريقة التي ستتم بها استعادة المدينة من “داعش”، وبين من دعا أهل الموصل إلى استقبال قوات الحكومة بأذرع مفتوحة، الرأي القائل: “من يسلّم الموصل لداعش لن يكون أرحم بها حين يريد استعادتها”؛ هذا الرأي يبدو قاصراً اليوم عن تبليغ رسالة المدينة المدمرة إلى التاريخ.

مأساة مجتمع مدمَّر
وصف ما حدث للموصل بأنه العودة إلى المربع الأول -الذي أرادت الموصل الخلاص منه قبل احتلال “داعش” لها في يونيو/حزيران 2014- ليس دقيقاً؛ فثمة مستجدات بعد انسحاب الحكومة من الموصل وعودتها إليها تجعل الواقع اليوم أكثر تعقيداً من ذلك المربع.

المليشيات الطائفية التي أهانت حرمات المجتمع الموصلي غدت اليوم جزءاً من مؤسسات الدولة، ترتدي لباس الجيش والشرطة ولا تحاسب عما تفعل، والموصل مدينة منكوبة ترفض الحكومة الاعتراف بنكبتها

فالمليشيات الطائفية التي أهانت حرمات المجتمع الموصلي غدت اليوم جزءاً من مؤسسات الدولة، ترتدي لباس الجيش والشرطة ولا تحاسب عما تفعل، والموصل مدينة منكوبة ترفض الحكومة الاعتراف بنكبتها. والمعالم البارزة لهذا الواقع الذي تعيشه المدينة المدمرة هي:

– فقدان الأمن.
– خواء خزينة الدولة، فلا أموال من الداخل.
– فقدان الحكومة لثقة الدول المانحة، فلا أموال من الخارج.
– فساد سياسي وإداري من بين الأعلى عالمياً.

هذه المعالم تجعل من مطالب إعادة الاستقرار والبناء آمالاً لا تؤيدها الوقائع على الأرض، يتعامل معها الإنسان الموصلي على المستوى الفردي بخيار الهجرة إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

أما السؤال الذي يردده المجتمع -بفئاته الثقافية والعمرية- فهو: إذا كانت الدولة مفلسة وفاسدة سياسياً؛ فبأي مال سيُعاد بناء الموصل وأيُّ أيادٍ نزيهة ستقوم بذلك؟ والجواب -الذي يحمله السؤال في طياته ويردده أهل الموصل (باستثناء السياسيين)- هو أن الموصل لن يعاد بناؤها.

هذه المعادلة المغلقة تضع أهل الموصل أمام استنتاجات متلازمة: لا إعادة بناء من دون إدارة نزيهة، ولا إدارة نزيهة من دون أمن، ولا أمن بوجود المليشيات وعصابات الجريمة في الموصل، ولا خروج للمليشيات في ظل الوضع السياسي القائم. وتدفعهم نحو خيارات لتفعيل هذه المتلازمة لا يجدونها في الداخل، والبداية من الأمن الذي يفتح الطريق أمام المطالب الأخرى.

كارثة معركة الموصل لم تبدأ بعدُ لأن كوارث الحروب تبدأ بعد صمت المدافع، الموصل لم تعد مدينة كي تضمد جراحاتها، ولا نسيج مجتمعها الناعم صمد أمام ضراوة التدمير ليقوم بالرعاية والكفالة، كما فعل وأبدع بعد الاحتلال الأميركي وسقوط الدولة في 2003.

الموصل على موعد مع تبعات الحرب في ظل واقع سياسي وأمني شاذّيْن، وفشل كلي للدولة، واستعصاء لحلول المشكلات الاجتماعية التي لا تمهل؛ فالموصل مشهد لولادة كل أصناف الجريمة المنظمة التي بدأت في الظهور.

الداء خطير وحجز مريض في مستوصف وعدم نقله إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى كبير يؤدي به إلى الموت لا محالة. وما حدث للموصل أكبر من إمكانيات دولة عاجزة، فضلاً عن أنها دولة متهمة بتسليم الموصل إلى “داعش” ثم تدميرها، ولا القدرة والرغبة موجودتان لتضميد جراحها.

كارثة معركة الموصل لم تبدأ بعدُ لأن كوارث الحروب تبدأ بعد صمت المدافع، الموصل لم تعد مدينة كي تضمد جراحاتها، ولا نسيج مجتمعها الناعم صمد أمام ضراوة التدمير ليقوم بالرعاية والكفالة، كما فعل وأبدع بعد الاحتلال الأميركي وسقوط الدولة في 2003

وبالعودة إلى متلازمة (الأمن والنزاهة وإعادة البناء)؛ نجد أن الموصل بحاجة إلى كسر المعادلة المحلية المغلقة، وهي بحاجة إلى حماية دولية تشرف على خروج مليشيات الحكومة (التي ترتدي لباس الجيش والشرطة والحشد الشعبي وتوابعه) من المدينة وأطقمها السياسية، وصولاً إلى توفير الأمن وإزاحة الفساد وفتح الطريق أمام أهل التخصصات والخبرات من أبناء الموصل للشروع في عملية الإدارة النزيهة.

وعلى الهيئات الدولية أن تتولى الإشراف على تسلم المنح الدولية، وعلى استقطاع حصة الموصل من عوائد النفط في برنامج “النفط مقابل التعويضات”، وعلى تنفيذ مشاريع إعادة البناء التي يشترك فيه شباب المدينة، ويؤازرهم بالخبرات أبناؤها من أهل التخصصات في المهجر.

كما أن الموصل بحاجة إلى إدارة انتقالية تحت حماية الإشراف الدولي (يقرر مدتها المختصون)، يشكلها أهل التخصصات والخبرات ذات العلاقة بالأزمات التي ضربت المدينة (تعليم، اجتماع، موارد بشرية، صحة، هندسة).

على أن تكون عناصر هذه الإدارة من غير السياسيين ليتم بحث الخيارات والحلول بطريقة علمية وعملية وليس وفق حسابات السياسة. وهو دور استثنائي تمر به المجتمعات وينتهي باستعادة الدولة عافيتها واستئناف وظائفها الطبيعية، عبر انتخابات محلية لتحديد صيغة الحكم الإداري للمدينة.

من دون هذه العناية المركزة وعملية الإنعاش فإن حاضرة الموصل على طريق الموت، بل إنها قطعت أشواطاً عليه؛ فالنازحون في المخيمات هم في عداد الأموات -على صعيد المؤهلات البشرية والتعليم والأمل في الحياة- وإن أدرجتهم الحكومة على قوائم الأحياء، وبعضهم يعتبر الموت هو الحياة الحقيقية.

تدويل قضية الموصل
إعلان أهل مدينة مدينتهم “مدينة منكوبة” والمطالبة بتدويل قضيتها حق تكفله القوانين الدولية وله أسبابه المختلفة، وقضية الموصل تمثل السبب الأقوى وهو الذي تكون فيه الحكومة مصدر خطر على الشعب، وهي المتسببة في نكبته؛ كما في
كوسوفو والبوسنة. وتتحمل حكومة بغداد في هذه الحالة ملفين قضائيين وليس واحداً: ملف تسليم الموصل إلى داعش ثم ملف تدميرها.

إن “داعش” اسم لعلامة تجارية جديدة أما البضاعة فقديمة: الغلو، وتبقى طريقة فهمها قديمة لا تتغير. ومن ذلك أن الحواضر التي هي محضن لمعاهد العلوم وملتقى الحكماء ومجالس الثقافة ليست منبتاً طبيعياً للغلو، الذي يقتضي -كي يولد ويترعرع ويشتد ساعده- غيابَ المعرفة ليتبوأ أنصافُ المتعلمين والأحداثُ أدوارَ الحكماء.

كانت الموصل -عبر التاريخ وحتى عقود قليلة خلت- تزخر بالمدارس العلمية التي كانت توجد في كل حي من أحيائها، كما هو حال حواضر المنطقة الأخرى كحلب ودمشق، وكانت تقوم على هذه المدارس منظومة أهلية من أسر الموصل الأصيلة والعريقة.

خسرت الموصل كثيراً من خصائصها الاجتماعية بتعطيل مجتمعها المدني، وتفاقمت الخسارة بشكل خطير منذ 2003 عندما استولت المؤسسات الطائفية التابعة للحكومة على إدارة المدينة، وبلغ التفاقم ذروته حين اعتبرت الحكومة تدمير المدينة عنواناً للتحرير وعيداً وطنياً

وهذه المدارس كانت هي المسؤولة عن تكوين شخصية المدينة من خلال العلماء والأدباء الذين تنجبهم، ويقلد المجتمع قاماتهم الاجتماعية وسمتهم الديني والفقهي والأدبي والسلوكي ويتعصب لرأيهم، حتى كانوا له حصانة لا شعورية مقابل أي قادم من الخارج، وهذا هو تعريف المجتمع المدني في الموصل.

عُرف المجتمع الموصلي -في محيطه الواسع- بتمسكه بالدين، وتداخل قيم الدين مع العادات والطباع وتحولها إلى مفاهيم حياتية؛ فهي عمرانية في طراز البيوت واجتماعية عند التعايش مع الأقليات من أتباع الديانات الأخرى، التي يعتبرها الموصلي مكملة للنسيج الاجتماعي لمدينته، ويعتبر المس بحقوقها مساسا بسيادته وقوامته الاجتماعية، ولأهل الموصل حكايات يتناقلونها عن دور علماء مدينتهم وعمداء أسرهم في إثراء هذا السلوك، وليس ذلك في الوسط المتدين فقط.

خسرت الموصل كثيراً من خصائصها الاجتماعية بتعطيل مجتمعها المدني، وتفاقمت الخسارة بشكل خطير منذ 2003 عندما استولت المؤسسات الطائفية التابعة للحكومة على إدارة المدينة، وبلغ التفاقم ذروته حين اعتبرت الحكومة تدمير المدينة عنواناً للتحرير وعيداً وطنياً.

التعطيل الاجتماعي لحاضرة الموصل يصبح حقيقة علمية عندما يتحدث عنها علماء اجتماع من غير العرب ومن غير المسلمين، بقولهم: إن الإسلام في الموصل هو الوجه الآخر للحياة الاجتماعية أكثر من كونه مفهوماً فكرياً.

وإن هذه المدينة -التي اتخذت من مفاهيم الإسلام نظاماً للتعايش الاجتماعي والديني- أصابها العطب منذ سنوات طويلة، وتوقفت عن العمل كحاضرة منذ عُطّل نظامها الاجتماعي وحرمت من خصائصها الاجتماعية، وفُسح المجال لأنظمة اجتماعية ومذهبية لتحل محلها.

الموصل حاضرة تعرف كيف تعيش ومجتمع لا يعطي ولاءه لقادم من الخارج بسهولة أياً كان شكله، واستعادة مجتمعها المدني للمبادرة عن طريق تدويل قضيتها غلق للباب أمام كل دخيل على شخصيتها.

[ad_2]

لینک منبع

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *