باريس والمسلمون.. الوجه الآخر

[ad_1]

تزامنت جولتي الأوروبية الثانية -لاستئناف تسجيل الانطباعات لدراسة العلاقة الغربية الإسلامية.. الطريق الثالث- مع أحداث كبيرة وتوجهات مهمة جديدة تعيشها هذه العلاقات وتتراوح بين التطرف والتسامح.

ولعل المحطة الأبرز لجولتي كانت باريس التي سبق وصولي إليها فوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا، في انتخابات عُدّت مفصلية لكونها جاءت في ظل الصعود اليميني المتطرف الذي كادت زعيمته ماري لوبان أن تحسم السباق نحو الرئاسة.

وفي وقت يتعزز فيه تقدم هذا اليمين في دول عديدة من أوروبا، وبدأ فيه تأثير سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد العالم الإسلامي في الظهور والدفع باتجاه حروب وصدامات خطيرة لا تحل كوارث التطرف الديني الذي بُلي به العالم الإسلامي، ومعاناته من صناعة الغلو المسلح ضد مدنيّيه، وضد مستقبله السياسي للبحث عن الدولة المدنية الحقوقية المستقرة.

ولا يقلل تطرف الرئيس ترمب -وبقية اليمين الغربي- من آثار هذا الغلو والتوحش الديني في حاضر العالم الإسلامي على المدنيين الأبرياء في الدول الغربية، الذين رهنوا تحت مطاردة التوحش كما هم مدنيو المسلمين، فحتى سقوط داعشوتشظّيها لم يُعط أي دلالة على وقف أعمال الإرهاب. فقضية تمكن فكر الجماعات الإرهابية يقوم على أربعة أضلاع:

بدأ تأثير سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد العالم الإسلامي في الظهور والدفع باتجاه حروب وصدامات خطيرة لا تحل كوارث التطرف الديني الذي بُلي به العالم الإسلامي، ومعاناته من صناعة الغلو المسلح ضد مدنيّيه، وضد مستقبله السياسي للبحث عن الدولة المدنية الحقوقية المستقرة

1- العنف السياسي والاستبداد المحلي الذي يحرم الشعوب حرياتهم وخيارهم الديمقراطي
2- الاستبداد الدولي والظلم المتتالي والتمييز ضد قضايا المسلمين.
3- وجود فكر غلو ديني ذاتي نشأت بنيته العقائدية في جماعات وتيارات تحت وصاية رسمية، ثم تمرد عليها شقه السلفي الجهادي.
4- تقاطع التوظيف المخابراتي المكثف والمتصادم بين دول هذه المخابرات مع توظيف هذه الجماعات، والتي زادها سوءاً اشتعال الحرب الطائفية وتوظيف لغتها المجنونة في المنطقة العربية، لتحصد منها إيران أو النظام الرسمي العربي مواسم تمرير مشاريعهم لإشغال شعوبهم عن حق المشاركة الشعبية، وإقامة الدولة المدنية ذات القيم والهوية الإسلامية والنظم المدنية الدستورية العادلة.

وهنا تأتي أهمية تحرير الفكر الإسلامي الجديد في هذه التقاطعات الصعبة، التي يضاف إليها في المشهد الغربي تزايد أعمال اليمين الإرهابي العنيفة ضد المسلمين، كالتي حصلت مع فتاة فرجينيا ومصلى مسجد لندن وغيرهما.

وذلك في الوقت الذي استمرت فيه أعمال العنف الإرهابي ضد حواضر الغرب ومدنيّيه الأبرياء، وانتثرت عمليات التشظي العشوائي التي تهدف لقتل أي عنصر مدني في بيئة غربية، لكونه ينتمي إلى العالم المسيحي أو دول الغرب المعاصرة.

فالدراسة هنا تطرح السؤال الكبير مجدداً: هل من المجدي -أو المفيد- أن يعمل الباحثون الغربيون والعرب (وخاصة الإسلاميين النهضويين منهم) على خلق بيئة حوارات ومضبطات ثقافية ميثاقية لعلاقة الشعوب وتقاطعات الفكر الإنساني التقدمية والسلمية، لتكون ثقافة ذاتية تسوق لديهم ولدينا في حاضر العالم الإسلامي دون تسييس رسمي مصلحي يُخضِع المفاهيم لدعم مواسم الاستبداد؟

ودون جعلها حقيبة عابرة يُدشن بها اعتدال مزيف لا يؤمن بقيم الديمقراطية الحقيقية، ومساواتها لشعوب العالم وتكافلهم في حلف الفضول الإنساني للعالم الجديد.

لقد قفز احتجاج مهم من بعض الزملاء اليساريين -في حلقة النقاش التي جمعتني معهم بجهود الصديق الباحث الفرنسي اليساري د. ستيفان لاكروا- وهو: لماذا يُطرح مصطلح الإسلامي الذي يثير حساسية مفرطة في فرنسا خاصة وأقل منها في دول غربية أخرى؟ وسأعود لعرض رؤيتهم ومناقشة هذا الاحتجاج الثقافي في مقال قادم، أعرض فيه ما يمكن لنا أن نفهمه من حلقة النقاش تلك بشأن أوجه التلاقي والخلاف المعقّد بين اليسار الفرنسي والفكر النهضوي الإسلامي.

لكن المهم اليوم هو فهم علاقة الدراسة بما يجري من حالة سقوط وتشظٍّ لحاضر العالم الإسلامي وخاصة منطقة المشرق العربي، والذي يعني بالضرورة أن علاقة الغرب بمسلميه علاقة حيوية ومتداخلة ومستمرة، كمواطنين دستوريين لا مجال لمغادرتهم بعد أن استقرت حياتهم الاجتماعية في الغرب، وبعد أن تعقدت أوضاع بلدانهم الأصلية فباتت الشعوب طريدة في أوطانها أو عبر الحدود، تحت رماح الغلاة والمستبدين ومواسم حصادها الدولي الظالم.

الشارع الباريسي: منذ أولى خطوات مدرج المسافرين القادمين إلى مطار باريس، لم يبدُ لي أي تحفز من موظفي الجوازات تجاه معالم العربي القادم إليهم، وصولاً إلى التعامل مع ما يُسمّى شعب الخدمات أو الشعب السياحي والرأي العام الذي يواجهه السائح.

المهم اليوم هو فهم علاقة الدراسة بما يجري من حالة سقوط وتشظٍّ لحاضر العالم الإسلامي وخاصة منطقة المشرق العربي، والذي يعني بالضرورة أن علاقة الغرب بمسلميه علاقة حيوية ومتداخلة ومستمرة، كمواطنين دستوريين لا مجال لمغادرتهم بعد أن استقرت حياتهم الاجتماعية في الغرب، وبعد أن تعقدت أوضاع بلدانهم الأصلية

غير أنني توقفت بصورة أعمق مع خروجنا من صلاة التراويح (كانت الزيارة أثناء رمضان الماضي) في مسجد باريس الكبير، حيث يرتدي بعض أهلنا من المغرب العربي ومسلمي أفريقيا -من مواطني فرنسا أو من المهاجرين- جلبابا واسعا، تتضح به سمات المسلم المختلف عن البيئة الغربية. ولبعض زملائنا الأكاديميين الإسلاميين الفرنسيين -من أصل عربي- تحفظ على ذلك، حيث ودّوا ألا يُلبس الجلباب الواسع (أو الثوب المنزلي) في الطرقات العامة، احتراماً للبيئة الاجتماعية الفرنسية.

لكن المقصد هنا أنني شاهدت وركزت على موقف الفرنسيين الذين تعبر أمامهم وفود المصلين بعد خروجهم ودخولهم، دون أن تصدر منهم أي إشارات ضيق أو تذمر، وقد يكون الشعور بذلك قائما لدى بعضهم لكن السلوك العام لا يبدي أي استفزاز. أضف إلى ذلك اضطرارنا للصلاة في رصيف جانبي، ولم نتعرض لأي نظرات أو تضايق من المارة.

كما أن كل من صعدتُ سيارته في خدمات المواصلات أو لقيته في بعض المحلات العامة وغيرها هم من أشقائنا أبناء المغرب العربي بدوله المتعددة، فهناك قصة اجتماعية عميقة استقرت -رغم التباين الفكري والصراع السياسي الاجتماعي الثقافي في فرنسا- مع قضية الحضور الإسلامي في حياة الفرنسيين، هذه القصة كرست حالة تعايش إيجابية جداً، تُسجل لفرنسا وتُسجل بالخصوص للمجتمع الباريسي.

فالمرشحة الرئاسية لوبان لم تحصل في باريس إلا على 5%، وبالتعبير السياسي الذي سمعته تم طرد لوبان من باريس، التي ظلت كعاصمة للنور في الغرب -رغم حوادث القتل والتفجيرات الإرهابية في قلبها- متمسكة بميثاقها للتعايش والحقوق الدستورية للجميع، والتي كفلت صعود يمين الوسط -الذي مثله ماكرون مدعوما بقوة من أطياف اليسار في جولة الحسم- إلى الفوز بالرئاسة وقطع الطريق على اليمين المتطرف.

وأريد أن أؤكد هنا أن ما رصدتُه من انطباع عن الجانب الإيجابي لباريس وفرنسا، كان محل سؤال منّي للأصدقاء العرب والباحثين الفرنسيين المتضامنين مع قضايا العدالة العربية، والذين أكدوا جميعاً صحة هذا الانطباع.

وهذا لا يعني عدم وجود حالات تمييز أو كراهية، فضلا عن إشكالية الطبقات المحرومة من تساوي الحقوق، وأحيائهم التي يوجد فيها ذوو الأصول المسلمة بكثافة، وهي إحدى قضايا الكفاح اليساري الفرنسي. لكن في الجملة، هناك قاعدة تعامل واستقرار تعايشي وحقوقي جيدة، بُنيت على نتائج الفكر الجمهوري الحقوقي الذي أفرزته حركة التاريخ الفرنسي بكل أطوارها.

من نهر السين إلى مكتبة شكسبير: ساهم في ذلك قناعة قاعدة من الرأي العام بهذه المفاهيم التي تتعرض بلا شك لضغط شرس من اليمين المتطرف ومن مفهوم الإسلاموفوبيا. ولعلي أوافق الصديق ستيفان لاكروا في أن الليبرالية المعتدلة -التي تمتع بها جاستن ترودو في كندا، وتحتوي اليوم عبر عدالتها الدستورية المسلمين في كندا وتمد جسورها للشرق- يمكن لماكرون أن يستفيد منها.

حصيلة ثقافات الشعوب وتجربتهم التاريخية ليست قطعاً منفصلة عن الضمائر العالمية والضمير الإسلامي على الخصوص، فالرحلة التي تنطلق في نهر السين فتمر على شواهد هذا التاريخ، وتقف أمام مكتبة شكسبير ومعالم مؤسسات خاضت معارك تشريعات القضاء والأنظمة العدلية والحقوقية؛ هي أيضاً منتجات حضارية

وإن بقي التحدي الثقافي الصعب في فرنسا مختلفا عن طبيعة المهجر الكندي الجديد في أميركا الشمالية، فلم يُختبر ماكرون في هذا التحدي الاجتماعي الثقافي حتى اليوم.

لقد كان الحوار البسيط والعميق في ذات الوقت عن انطباع موظف الاستقبال التابع لمعهد العالم العربي بباريس في ذات الاتجاه، فهنا أسئلة التصور المباشرة عن حشود الزوار التي تأتي إلى المعهد بين روح التطلع والتحفز، تُعطي انطباعات مهمة، خاصة مع الرابط بين الإسلام والوطن العربي.

حيث أكد لنا هذا الحوار اتساق الانطباع العام عن موقف غالب الشارع الفرنسي من الإسلام كقضية بحث واستطلاع، قبل أن تؤثر عليهم دفعات التحريض والتشويه لمؤسسات السوق الإعلامية المسيسة، التي تستثمر سلوكيات سيئة لبعض المسلمين وتوظف أعمال العنف لتعزيز التشويه.

مشتركات الضمير العالمي: إن حصيلة ثقافات الشعوب وتجربتهم التاريخية ليست قطعاً منفصلة عن الضمائر العالمية والضمير الإسلامي على الخصوص، فالرحلة التي تنطلق في نهر السين فتمر على شواهد هذا التاريخ، وتقف أمام مكتبة شكسبير ومعالم مؤسسات خاضت معارك تشريعات القضاء والأنظمة العدلية والحقوقية؛ هي أيضاً منتجات حضارية ووسائط مادية تحمل في طياتها مشتركات لتحقيق العدالة القانونية، التي هي في الأصل من أكبر مقاصد الإسلام التشريعية.

والخلاف في فلسلفة بعض الأحكام في الإسلام لا يُلغي وسائط الأصول المشتركة لتحقيق العدالة والمساواة الحقوقية للأسرة البشرية، ولعل هذا الإرث الثقافي والدستوري ساعد بيئة فرنسا في أن تقدم الوجه الآخر الإيجابي لباريس، والذي يحتاج اليوم ضرورة أن يكون ضمن صناعة التفكير الإسلامي الجديد لفقه النهضة الرشيد، لتدوين مفاهيم وتحرير التجربة والحالة الاجتماعية الثقافية، في شقيْ التعامل لحاضر العالم الإسلامي مع الغرب، وفي مرحلة المواطنة الدستورية لمسلميه الذين يَسقط شرقهم اليوم في جحيم الحروب.
وللرحلة تتمة فكرية سنعود لها في المقال القادم بعون الله.

[ad_2]

لینک منبع

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *