مسلمو الفلبين.. قرون الاضطهاد والكفاح

[ad_1]

بعيدا عن بلاد العرب، وتحديدا في الجنوب الشرقي من شواطئ بحر الصين الجنوبي بالقارة الآسيوية، كانت تقبع جزر تعرف بـ”مانبولاس”، أعدادها المأهولة تقارب الألفين من أصل نحو سبعة آلاف، على مساحة تبلغ نحو 300 ألف كيلومتر مربع.

لهذه الجزر حكاية وارتباط طويل مع الإسلام، الذي دخلها بعد وصول دعاة العرب المسلمين عام 1310م، خاصة من حضرموت اليمن، فبوصولهم ترك معظم سكان الجزر الوثنية السائدة، وتحولوا إلى الإسلام الذي بات دينهم الرئيسي.

مع دخول الإسلام وانتشاره تحول اسم الجزر إلى “عذراء ماليزيا”، ولعل التسمية جاءت بسبب تأخر وصول الإسلام إليها، ولأن كثيرا من سكانها كانوا مالاويين، فعدّها دعاة العرب جزءا من ماليزيا.

صلاة العيد في أحد المساجد في ميندناو (غيتي)

إمارات إسلامية
كانت الجزر -ولا تزال- مقسمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، وتشير كتب التاريخ وأحاديث المؤرخين إلى أنها كانت تضم إمارات إسلامية كثيرة في المنطقة.

جزيرة لوزون الشمالية تبلغ مساحتها نحو 150 ألف كيلومتر مربع، وكانت فيها إمارة كبرى، وكانت تدعى عاصمتها “أمان الله”، التي حولها الاستعمار الإسباني لاحقا إلى “مانيلا” المعروفة.

وجزيرة مينداناو الجنوبية هي ثانية كبرى الجزر من حيث المساحة التي تقارب 140 ألف كيلومتر مربع، وفيها مجموعة من الجزر يطلق عليها أرخبيل صولو أو “سولو”، وكانت -ولا تزال- من أكثر المدن كثافة بالسكان المسلمين من “بانجسامورو” أو “شعب مورو”.

أما في الوسط فتقع جزيرة بيسايا، التي تضم الكثير من الجزر، وكانت فيها عدة إمارات إسلامية أيضا.
الاستعمار الإسباني و”التنصير”.

مآسي المسلمين في هذه الجزر بدأت مع تراجع قوة وهيبة المسلمين عالميا بسقوط الأندلس، ثم ببدء الحملات الصليبية على بلادهم، كما تروي كتب التاريخ ويرى مؤرخون معاصرون.

اتجه الإسبان غربا بعد أن عرفوا أن الأرض كروية، فقطعوا المحيط الأطلسي والمحيط الهادي ليطوقوا العالم الإسلامي من الشرق، ووصلت طلائع قواتهم إلى الجزر عام 1521م بقيادة المستكشف ماجيلان، ليحولوا اسمها بعد سقوط معظمها إلى جزر “الفلبين”، نسبة إلى الملك الإسباني “فيليب الثاني” آنذاك.

في حوار خاص مع الجزيرة نت، قال الأستاذ سعيد سالينداب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في الفلبين إن “القوات الإسبانية بدأت بغزو وهزيمة المسلمين بقيادة الحاكم رجا سليمان في المناطق الشمالية، فتنصر من تنصر، وكان الموت مصيرا حتميا لمن أبى التنصير، وبهذا باتت المسيحية الكاثوليكية دين الأغلبية السكانية في البلاد”.

وفي هذا السياق، أشار سالينداب إلى أن العاصمة “أمان الله” دمرت وأحرقت بالكامل، ثم أعيد بناؤها دون ترك أي معلم إسلامي، وأعيدت تسميتها بحذف الهمزة وتحريف الاسم لتصبح “مانيلا”.

وتابع “ثم واصلت القوات الإسبانية غزواتها في المنطقة الوسطى، حيث وجدت مقاومة إسلامية بقيادة الحاكم المسلم لابو لابو بمدينة سيبو، لكنها انتصرت بسبب التفوق العددي والتسليح، رغم أن لابو لابو تمكن من قتل القائد الإسباني ماجيلان”.

وأضاف سالينداب “القوات الإسبانية واصلت هزيمة المقاومة الإسلامية في المنطقة الوسطى، ووصلت إلى جزيرة مينداناو الجنوبية، وبسبب الكثافة العددية للمسلمين هنا، انتفض الناس وتكونت مقاومة إسلامية شرسة، مما دفع الإسبان للانسحاب بسبب فداحة خسائرهم”.

مناطق المسلمين من أكثر المناطق تخلفا وفقرا في التنمية (الجزيرة)

الاستعمار الأميركي والياباني
لم تتمكن إسبانيا من احتلال جزيرة مينداناو كاملة، وتعرض أسطولها البحري لخسائر كبيرة إثر حرب دارت بينها وبين أميركا عام 1898م.

يقول الأستاذ سعيد سالينداب إن مقاومة مسلمي مينداناو المستمرة والحرب مع القوات الأميركية دفعت إسبانيا للانسحاب، فوقعت مع أميركا اتفاقا يقضي بتسليم الفلبين مقابل 20 مليون دولار، ولم تكن جزيرة مينداناو آنذاك جزءا منها، لتبدأ فترة الاستعمار الأميركي، التي استمرت منذ العام 1898 حتى 1941م.

يشير سالينداب إلى أن الاستعمار الأميركي قمع ثورة شعبية ضده قام بها مسلمو شعب مورو في مينداناو منذ العام 1898 وحتى 1901 رفضا لضم الجزيرة إلى الفلبين، ثم عمل على نشر الجهل ومصادرة أراضي المسلمين وبث الفتن بين إماراتهم، فتفرقوا وضعفوا ليتمكن من السيطرة على جميع أرجاء الجزيرة التي استعصت على الإسبان عدة قرون، فلم تعد بيد المسلمين إلا نسبة تقارب 25% من أراضي مينداناو، بعد أن كانت كلها لهم.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية، احتلت اليابان جزر الفلبين وطردت منها الأميركان، لكنها قوبلت أيضا بمقاومة شعبية كبيرة في جزيرة مينداناو التي لم تكن جزءا من الفلبين رسميا بعد، وبفعل المقاومة وعودة الحملات الأميركية هزمت اليابان عام 1946، ومنحت الفلبين استقلالها.

وهنا يشير سالينداب إلى “مؤامرة” أميركية يابانية لضم جزيرة مينداناو وشعب “مورو” إلى أراضي الفلبين وفق اتفاقية الاستقلال، وهو ما تم بسبب ضعف وتفرق المسلمين ومعاناتهم من ويلات الحرب، وأدخلهم في دوامة صراع جديدة، ولكن مع حكومة الفلبين المستقلة هذه المرة.

مقاتلو جبهة تحرير مورو الإسلامية (الأوروبية)

الصراع على الأرض
الحكومات الفلبينية المتعاقبة ورثت إرادة الاستعمار بطمس الهوية الإسلامية كما يرى الأستاذ سعيد سالينداب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في الفلبين، وقوبلت أيضا بمقاومة شعبية وعسكرية واسعة في جزيرة مينداناو.

يقول سالينداب إن الحكومة الفلبينية سارعت بممارسة القمع السياسي ضد شعب مورو، ونهب ثرواتهم وأخذ أراضيهم بالقوة، مما دفع شعب مورو لحمل السلاح ضدها، بعد أن خاض حربا طويلة لأكثر من 300 عام مع الإسبان.

ويشير في هذا الإطار إلى تشكيل عدة حركات لمقاومة الحكومة، أولها حركة استقلال مينداناو، التي كان هدفها استعادة استقلال الجزيرة عن أراضي الفلبين، وكان يترأسها حاكم محافظة ماجيندانو آنذاك داتو أوتدوغ ماتالم.

في المقابل تشكلت حركات مسيحية لمحاربة مسلمي مورو، من أبرزها حركة “إيلاغا” التي دعمها سياسيون وأغنياء، وكانت تهدف إلى قتل المسلمين وأخذ ممتلكاتهم، فقتلت بالفعل الآلاف منهم.

ويضيف أن العلاقة مع حكومة الفلبين تأزمت بعد أن عمدت إلى تطبيق “الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية” ضد المسلمين زمن حكم الرئيس فرديناند ماركوس عام 1972، وهو الذي وعد بابا الفاتيكان بتحويل الفلبين إلى دولة مسيحية كاثوليكية بالكامل آنذاك.

وأوضح أن حكومة ماركوس ارتكبت الكثير من المجازر والمذابح بحق مسلمي مينداناو، لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة كل مدينة وقرية وبيت، وأدت إلى هجرة الكثيرين منهم إلى الخارج، أو إلى مناطق فلبينية أخرى بحثا عن الأمن والعمل.

واقع، يقول سالينداب، إنه أدى إلى توحد قوى شعب مورو عام 1972، وبدء “الجهاد العسكري” المنظم، الذي قادته آنذاك “جبهة تحرير مورو الوطنية” بقيادة نور ميسواري، وكانت خليطا من العلمانيين والمسلمين المتدينين.

لحظة توقيع اتفاق السلام بين جبهة تحرير مورو الإسلامية والحكومة الفلبينية (أسوشيتد برس)

سنوات التفاوض والمراوغة
شعرت الحكومة الفلبينية بأنها لا تستطيع مقاومة شعب مورو بالسلاح، ولهذا اضطرت للتفاوض معه مطلع السبعينيات، ووصلت مع الجبهة الوطنية إلى اتفاق طرابلس عام 1976، برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي والحكومة الليبية في عهد القذافي، يقضي بمنح شعب مورو حكما ذاتيا على أرضهم.

لكن سرعان ما خيب الاتفاق آمال شعب مورو في مينداناو، لأنهم رأوا أن حكومة الرئيس ماركوس لم تنفذ بنوده، والتفت على مطالبهم.

يقول سالينداب إن الاتفاقية انتهت بعبارات أفسدت بنودها، وأفرغتها من صلاحياتها السياسية، خاصة في بندها الأخير، الذي رد أي خلاف أو سوء فهم إلى “معنى مقبول يوافق الدستور الفلبيني”، وهذا جمد تنفيذ الاتفاقية، لأن الدستور الفلبيني يعارض وجود حكم ذاتي عملي.

سريعا ما أدت اتفاقية طرابلس إلى انشقاقات كبيرة في الجبهة الوطنية، بدءا من العام 1977، وهو ما انتهى بتأسيس “جبهة تحرير مورو الإسلامية” عام 1983 بقيادة سلامات هاشم.

وهكذا استمرت المعارك بين الحكومة وقوات الجبهة الإسلامية منذ ذلك الوقت، حاصدة أرواح أكثر من 150 ألف مسلم من شعب مورو منذ الاستقلال، وخلفت مئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، إضافة إلى ملايين المهاجرين هربا من الحرب، وبحثا عن لقمة عيش في مكان آمن.

في العام 1997 دخلت الحكومة مع جبهة تحرير مورو الإسلامية في مفاوضات استمرت أكثر من 16 عاما، حتى وصل الجانبان إلى “اتفاقية إطارية جديدة” أواسط أكتوبر/تشرين الأول 2012.

اتفاقية بثت أملا جديدا بانتهاء قرون الكفاح، كما يصفها شعب مورو الذي يبلغ تعداده اليوم نحو ستة إلى سبعة ملايين نسمة من أصل نحو 13 مليون مسلم في الفلبين التي يسكنها نحو 100 مليون نسمة، وتقضي بمنحهم حكما ذاتيا بصلاحيات واسعة، في خمس محافظات يشكلون فيها الأغلبية كمسلمين.

[ad_2]

لینک منبع

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *