ما وراء الحصار الثاني

[ad_1]

من بين كل المطالب السريالية التي تقدّم بها الجيران الجائرون لرفع الحصار عن قطر؛ المطلب “المنطقي” الوحيد هو المتعلّق بالقضاء على قناة الجزيرة، لماذا؟ لأنه لا أحد يستطيع تصوّر انطلاق الربيع العربي -الذي شكّل أخطر وآخر تهديد للأنظمة الاستبدادية العربية- دون “الجزيرة”.

هذا الربيع ليس له سبب واحد أو أب واحد، وإنما أسباب عدة وآباء كُثر. لكن من الثابت أن من بين الأسباب دور القناة، ومن بين الآباء رجل سيضعه المؤرخون في مقدمة القائمة، وهو الذي أسّسها عام 1996 وحماها منذئذ، متحملا ضغوطا تهدّ الجبال الرواسي.

إنه الأمير حمد بن خليفة آل ثاني. ويا لرمزية أن يكون من بين آباء الربيع العربي محمد البوعزيزي، بائع الخضر الذي انتحر لأنه لا يجد عشاء ليلة، إلى جانب أمير إحدى أغنى دول العالم.

سؤال نادرا ما يُطرح: لماذا لعب الرجل دورا بمثل خطورة إعمال المعول في الأنظمة الاستبدادية الفاسدة السائدة آنذاك في كل أرجاء الوطن العربي، وكل العوامل الموضوعية تؤهل النظام القطري ليكون واحدا منها؟

الظاهرة غير مفهومة بالتحليل التاريخي الكلاسيكي، كما يحبّه المؤرخون الماركسيون خاصة. فبنية قطر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية منتصف التسعينيات لم تكن تختلف في شيء عن بنية السعودية والإمارات والبحرين.

الربيع العربي ليس له سبب واحد أو أب واحد، وإنما أسباب عدة وآباء كُثر. لكن من الثابت أن من بين الأسباب دور قناة الجزيرة، ومن بين الآباء رجل سيضعه المؤرخون في مقدمة القائمة، وهو الذي أسّسها عام 1996 وحماها منذئذ، متحملا ضغوطا تهدّ الجبال الرواسي، إنه الأمير حمد بن خليفة آل ثاني

ما الذي جعل قطر تخرج إذن -منذ تلك الفترة- على محيطها، و”الجزيرة” رمز هذا الخروج وأداته الأخطر؟

هنا يتدخل عامل الشخص الذي لا تعيره النظريات البنيوية للتاريخ الأهمية التي يستحقها، رغم أن أول من اكتشف النار والبخار ونواة الذرة لم يكن جمعا أو قوة عمياء، وإنما هو شخص عرف استغلال ظروف موضوعية، وغيّر بمفرده مجرى التاريخ.

هذا العامل الذاتي المؤثر على ديناميكية العوامل الموضوعية، هو -في قضية الحال- الذكاء غير العادي لشخص غير عادي.

فالأمير حمد، فهِم ما لم يفهمه من يحاصرون اليوم بلده. هو فهم أن النظام السياسي القديم انتهى، وأن النخب الفاسدة المكروهة من شعوبها ستنقرض مثلما انقرضت في أوروبا وأميركا، وأنه لم يعد هنالك مجال للوصول للعقول والقلوب إلا بالاصطفاف إلى جانب الشعوب، والتجاوب مع آلامها وآمالها.

بطبيعة الحال لا مجال لتفسير الأمر بالقومية كما يفهمها ويمارسها بشار بن أبيه.

ماذا وراء الخيار إذن؟ محرّك الخيار لم يكن لا الديمقراطية ولا الثورية (أو الثورجية كما يسميها أعداء الربيع العربي)، وإنما ما يمكن تسميته الوطنية العربية، أي الشعور بالغيرة على مصلحة العرب أينما كانوا، والوقوف مع شعوب الأمة بدعمها معنويا وماديا.

فإذا أرادت الشعوب الثورة، فالوطنية العربية مع الثورة. وإن هي أرادت الديمقراطية، فالوطنية العربية مع حق هذه الشعوب في الديمقراطية. في كل الحالات هي دوما في صفّ المقاومة، التي تمثلها اليوم حركة حماس

التي قبِلت دول النظام القديم أن تصنّفها في خانة الإرهاب، وأن تضرب عليها الحصار الأول عندما استولى السيسي على الحكم ليمسح ثورة 25 يناير المجيدة.

باعتمادها هذه الوطنية العربية التي كانت “الجزيرة” لسانها، استطاعت قطر أن تضرب ألف عصفور بحجر واحد.

حين لم يستقطب الاستبدادُ الخليجي وغير الخليجي إلا سقط المتاع من مرتزقة السياسة والثقافة وسلاحه الوحيد “الرز”؛ استطاعت قطر أن تستقطب -بما وفرته من حرية- خيرة العقول وأنظف السياسيين، وأن تجعل من الدوحة أهم عاصمة عربية إعلاميا وثقافيا.

كما استطاعت أن تبني لها قوة سياسية تفوق حجمها السكاني بكثير، وأن تلعب دورا رئيسا في أحداث الربيع العربي الذي يظن الأغبياء أنه انتهى، والحال أنه في بداياته.

لا غرابة في هذه الحالة أن تصبح قطر العدوّ الأول لأنظمة الاستبداد، خاصة أن الابن من منظورها أضاف “خيانة” جديدة لـ”خيانة” الأب. فالأمير تميم لم يكتف بمواصلة مسيرة والده، بل زاد من الشعر بيتا وهو يؤسس جائزة دولية لمحاربة الفساد، والكل يعلم كم الفساد هو النواة والركيزة الأساسية لهذه الأنظمة.

***

هنا لا بدّ من وقف التحديق في الشجرة التي تحجب الغابة، وأخذ نظرة شاملة تضع الحصار الثاني والأول في أوسع سياق، ألا وهو تاريخ النظام السياسي العربي ككل.

مغزى الصراع حول قطر اليوم أكبرُ بكثير من غضبة مزمنة من أول قناة عربية، أو تنافس بين أنظمة خليجية، أو بالطبع من حسد وغيرة فاشلين تجاه ناجحين.

للإيجاز والولوج مباشرة إلى لبّ الموضوع؛ هذه ملاحظات تضع الأمر في نطاقه الأوسع، أي في إطار الصراع الجبار والمصيري للأمة بين النظام السياسي القديم الذي لم يمت بعدُ، والنظام الجديد الذي ما زال في طور الولادة، حسب التعبير الشهير للفيلسوفة الألمانية هنّا أرندت:

1- النظام السياسي العربي الحالي -خلافا لما يتصوره البعض- ليس جديدا إلا في مظهره وإخراجه. هو في جوهره -سواء أكان ملكيا أو”جمهوريا”، “حداثيا” أو”إسلاميا”، “مدنيا” أو عسكريا- ذلك النظام الذي وصفه (ولم يدعُ إليه) عبد الرحمن بن خلدون منذ ستة قرون.

إنه نظام العصبية المبني على تصوّر السلطة -بما هي نفوذ وثروة واعتبار- غنيمةَ حرب توزَّع بين المنتصرين، وهم دوما طائفة أو قبيلة أو مؤسسة عسكرية، يجمعها أقصى قدر ممكن من التضامن للحفاظ جماعيا على ما سلبوه بالثورة أو بالحيلة من الآخرين.

2- مثل هذا النظام -بتقسيمه المجتمع إلى سادة ورعايا- لا يفرز إلا الظلم والتمرّد، وتوجّسا مزمنا لكل الأطراف من بعضها. إنه وضع خطير متقلّب، الحاكم فيه مثل راكب حصان جامح، يمكن أن يلقي به في كل لحظة على الأرض فتتكسّر فقرات عنقه.

لا يوجد بيد الحاكم “الخلدوني” لترويض الحصان الخطير إلا نفس الأدوات منذ بداية انتصاب مثل هذا النظام:

– شراء الضمائر، وهذا ما يجعل الفساد والإفساد ركنا أساسيا لديمومته.
– السيطرة على العقول بالسيطرة على منابر المساجد، واليوم على منابر وسائل الإعلام.
– العنف بكل مظاهره وخاصة التعذيب، لزرع الخوف والثني عن كل مطلب محاسبة، وبالطبع بحجة محاربة الإرهاب. وبخصوص هذا الأخير، لم أعد أصدّق أن أصحاب القرار في الغرب يجهلون أنه من المنتوجات الإجبارية للنظام السياسي العربي القديم.

هو بداهة نتاج ظلمه وفساده. هو نتاج التعذيب الوحشي في سجونه، وهو نتاج تلفزيوناته في الثمانينيات التي كانت تدعي محاربة اليسار بالخطاب الديني. وهو نتاج مخابراته التي تخترق وتستعمل المجموعات الإرهابية لحشد دعم الغرب والطبقات الوسطى.

 الإرهاب إذن ملتصق بالنظام العربي القديم التصاق الظل بالماشي في الشمس، والانتهاء منه لا يكون إلا بنهاية النظام الذي ولّده.

لكن أصحاب القرار في الغرب بحاجة لهذا الإرهاب حاجة النظام القديم إليه، فهو يكفل لهم السيطرة على الأنظمة وعبرها على الشعوب العربية وحتى على شعوبهم. وفي آخر المطاف، ما التكلفة بالنسبة لهم؟ 1% ضحايا من الغربيين و99% من العرب والمسلمين، مما يعني أن اتهام قطر بالإرهاب قمة المكر وسوء النية وقلب الحقائق.

أصحاب القرار في الغرب بحاجة للإرهاب حاجة النظام العربي القديم إليه، فهو يكفل لهم السيطرة على الأنظمة وعبرها على الشعوب العربية وحتى على شعوبهم. وفي آخر المطاف، ما التكلفة بالنسبة لهم؟ 1% ضحايا من الغربيين و99% من العرب والمسلمين، مما يعني أن اتهام قطر بالإرهاب قمة المكر وسوء النية وقلب الحقائق

3- ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي التي شهد فيها العالم اكتساح الموجة الإسلامية والموجة الديمقراطية تقريبا في نفس الوقت، دخل النظام القروسطي مرحلة النزع الأخير.

فالمجتمعات العربية شهدت نقلة نوعية لم تعرفها من قبل؛ فتزايد الطلب على الحريات، وأصبح الفساد مرفوضا من قطاعات متزايدة، وولّد القمع حركات مقاومة سلمية أو عنيفة تزداد تجذرا وقوة.

أما معركة القلوب والعقول فقد خُسرت تماما، إذ أفلتت منابر المساجد لتكون صوت التمرّد الإسلامي وولّد بعضها حركات إرهابية، وأفلتت المنابر الإعلامية البالغة التعدد والتنوع لتكون صوت الرفض الديمقراطي.

وقضى الإنترنت مجددا على آخر وهم بالسيطرة على فكر ومخيلة الشعوب. ثم تدفقت الأجيال الجديدة التي لا تربطها أي صلة بالعقليات القديمة والأساليب البالية، والتي أسميها الـ e-generations.

4- قامت الثورات العربية في سياق هذه التغييرات المجتمعية العميقة، لكي يتم التلاؤم بين الواقع الجديد ونظام سياسي يكفل كل الممكن من المساواة والكرامة والفعالية، لإدارة دواليب دولة يجب أن تخدم الجميع وليس فئة واحدة فقط.

إلا أن النظام القديم -عن غباء وخوف- رفض كل تأقلم إلا في قَطر والمغرب، بينما جنّد في جل بلدان المشرق ما بقي له من طاقات للتعرّض لظاهرة ظنها عابرة يمكن القضاء عليها، وهي تحوّل تاريخي بحجم تحرك الصفائح الجيولوجية الحاملة للقارات والبحار.

5- بعد الموجة الأولى للثورات العربية تجنّد النظام السياسي القديم، وربح معركة مصر وتونس وليبيا بوضع العراقيل لكسر هذه الموجة. ثم انطلق بكل ما يملك من مال وسلاح لربح الحرب، بعزل غزّة وأساسا بضرب مراكز الدعم للربيع، أي تركيا وقطر. لكن شوكته تكسرت ببسالة المقاومة في غزة وبفشل الانقلاب في تركيا، واليوم بفشل حصار قطر.

فالتعاطف الكبير الذي أظهرته شعوب الأمة دوما مع قضية الشعب الفلسطيني، وأظهرته البارحة مع رجب طيب أردوغان، وتظهره اليوم تجاه قطر؛ هذا التعاطف -إضافة إلى عزل أبواق النظام السياسي القديم الفاسد في كل بلداننا- هو أسطع دليل على صحّة الرهان الذي اتخذه الأمير حمد في منتصف التسعينيات، وعلى غباء رهان مَن يحاصرون بلده اليوم.

هم في الحقيقة الذين يوجَدون في أصعب وضع، ولا أحد يعلم كيف سيخرجون منه… و”الصيفَ ضيّعتِ اللبن”.

المضحك المبكي في هذه التراجيديا -التي أصبحت العائلات الخليجية الممزقة تعيش على عبثها وإجرامها- أن المحاصرين لقطر يتصورون أن بداخلها بعبعا مخيفا يمكن خنقه بالحصار. والحال أن البعبع يتمطى داخل بلدانهم في شكل الأجيال ”الإلكترونية”.

للأسف ما زالت في الأفق معارك ضارية بعد معركة قطر، ولا أحد يعلم أي حصار ثالث ورابع سيضرب ضدّ كل دولة ينتصب فيها النظام السياسي العربي الجديد. فالنظام القديم مستعدّ للتحالف مع الشيطان وليس فقط مع إسرائيل، التي لا ترى في الحرب الأهلية العربية إلا فرصة ذهبية لمزيد من تدمير أمتنا، ووضع أشلائها تحت وصايتها

إنها كل هذه الأجيال الجديدة الغاضبة وراء حواسيبها، التي تحررت من إعلام الزيف، والتي تمارس حرية التقييم طول اليوم، وتصل إلى كل المعلومات خاصة تلك المتعلقة بالفساد، ولن تقبل أن يتواصل التعامل معها كرعايا من قِبل مجموعات فاسدة فاقدة للهيبة والشرعية والمصداقية.

6- جوهر الموضوع اليوم إذن هو وصول الصراع بين نظام سياسي عربي قديم لم يلفظ -إلى حدّ الآن- آخر أنفاسه، ونظام سياسي عربي جديد يُطلق أولى صرخات الولادة؛ وصول هذا الصراع إلى ذروته.

للأسف ما زالت في الأفق معارك ضارية بعد معركة قطر، ولا أحد يعلم أي حصار ثالث ورابع سيضرب ضدّ كل دولة ينتصب فيها النظام السياسي العربي الجديد. فالنظام القديم مستعدّ للتحالف مع الشيطان وليس فقط مع إسرائيل، التي لا ترى في الحرب الأهلية العربية إلا فرصة ذهبية لمزيد من تدمير أمتنا، ووضع أشلائها تحت وصايتها.

7- يجب ألا نغالي في التفاؤل بخصوص المستقبل، لأن الدمار الذي نراه في كامل الوطن العربي -والذي يستشري كالنار في الهشيم- ليس إلا في بدايته.

على الناس هنا أن يتذكّروا الثمن الذي دفعته أوروبا لتجدُّدها ما بين 1914 و1945 (أكثر من ستين مليون قتيل وتدمير شبه كامل لأغلب مدن القارة العجوز)، أو الثمن الذي دفعته الصين بين 1849 و1949 (مئات الحروب والمجاعات والتدخلات الأجنبية وعشرات الملايين من الموتى بالجوع والحروب).

لا أعتقد أننا سنتفادى دفع مثل هذا الثمن الباهظ لتدمير كل ما يجب تدميره من دول قُطرية مصطنعة الحدود، وأنظمة فاسدة، وأيديولوجيات غبية، وعادات وتقاليد بالية.

يجب أيضا ألا نغالي في التشاؤم. من المؤكد أن البدائل تتبلور ببطء لكن بثبات، حتى داخل الأنظمة الاستبدادية نفسها، وبعضُ عقلائها يفهمون أنه بوسع سياسات متهوّرة -كالتي تُمارَس اليوم ضد قطر ودول الربيع العربي- أن تعجّل بالانهيار، وإنه من الممكن أن يكون المسؤولون عن هذه السياسات آخر ممثلي سلالاتهم، يحفرون قبورهم بأظافرهم وهم لا يعلمون.

لكن الأهم هو التطور داخل المجتمعات المتزايدة وعيا وقوة وجسارة. إن الأنظمة عادة تموت في العقول والقلوب بضعة عقود قبل موتها في الواقع؛ فالنظام السوفياتي لم ينهر في التسعينيات وإنما بدأ قبل ذلك بكثير. وما انهياره في التسعينيات إلا نهاية عملية صامتة أخذت وقتها قبل أن تترجم إلى أفعال.

كذلك القول عن بدائلنا نحن؛ فبعضها على السطح كما هو الحال في تونس، والبقية مثل الجزء المخفي من جبل الجليد: أحلام ومشاريع كلها تدور حول شعوب من المواطنين لا من الرعايا، سلطة وظيفية لا سلطة غنيمة، شفافية تنهي الفساد، حريات وحقوق.

ودولة قانون ومؤسسات، احترام للتعددية، تعايش سلمي مبني على مواطنة جديدة، واتحاد بين دول ديمقراطية وشعوب حرة، تتعاون بينها لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين.

نحن لا نرى القوى التي تتجمع في الخفاء تأهبا لإعادة البناء فوق الخراب، مثلما لا نرى ما يعتمل داخل العقول والقلوب. لكنك تسمع أحيانا بقصة تؤكد لك صحة الآمال التي تمكننا من مواصلة المشي بثقة في طريق الآلام.

آخر ما سمعته عن هذه القوى التي بدأت من الآن تتهيّأ بصمت للأخذ بزمام الأمور عندما تنتهي فترة التدمير: مجموعة مهندسين سوريين وألمان يحضّرون -والحرب لم تنته بعدُ- خطط إعمار حلب.

سنعيد إعمار حلب وتعز والموصل وبنغازي. وسنعيد خاصة إعمار العقل العربي وسنبني على أنقاض النظام ”الخلدوني” نظاما سياسيا عربيا، يصبح جزءا من الحل لا أكبر جزء من المشكلة. المسألة مسألة وقت؛ فلا ترضخوا للإحباط… “ولا بدّ لليل أن ينجلي”.

[ad_2]

لینک منبع

أردنيون يطالبون بالضغط على الإمارات للإفراج عن صحفي أردني

[ad_1]

طالب صحفيون وناشطون أردنيون حكومة بلادهم بالضغط على الإمارات للإفراج غير المشروط عن الصحفي الأردني تيسير النجار المعتقل هناك، كما انتقدوا سلطات بلادهم التي قالوا إنها لم تقدم أي مساعدة لزميلهم المعتقل منذ أكثر من عام لدى دولة أخرى.

وفي عريضة وُقعت على موقع إلكتروني خاص بالمطالب الحقوقية، قال الصحفيون والناشطون إن على الأردن توجيه خطاب رسمي معلن إلى الحكومة الإماراتية بخصوص النجار.

وطالبوا السلطات بالضغط على أبو ظبي للسماح للنجار بالعودة إلى أسرته في الأردن وإسقاط الغرامات الصادرة بحقه، معتبرين أن الدور الرسمي الأردني غائب تماما، وأن الحكومة الأردنية لم تقدم أي مساعدة تذكر للصحفي المعتقل.

وقبل أسبوع، دعت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا الحكومة الأردنية إلى التدخل لدى الإمارات لإطلاق سراح النجار المعتقل لديها، وقالت في بيان إن ما يحدث للصحفي يشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تنتهجها الإمارات على الرغم من المناشدات العديدة لوقفها.

وقالت عائلة النجار إن ابنها -منذ اعتقاله في الإمارات- محروم من جميع حقوقه القانونية، سواء في السجن أو في القضاء، وإنه قضى أكثر من سنة في الحبس الاحتياطي قبل الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.

وفي وقت سابق هذا الشهر، ثبّتت المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي حكما سابقا بحق النجار، يقضي بسجنه ثلاث سنوات وتغريمه نصف مليون درهم إماراتي (نحو 136 ألف دولار) وإبعاده.

وردت المحكمة الطعن الذي تقدم به موكل الصحفي الأردني الذي يقبع في سجن الوثبة الصحراوي منذ توقيفه في مطار أبو ظبي بينما كان مسافرا إلى عمّان عام 2015.

وقررت المحكمة مصادرة أجهزة النجار وإغلاق حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي للتهمة ذاتها، وهي إهانة “رموز الدولة” في مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت ماجدة حوراني إن زوجها تيسير تعرض للاستجواب خلال اعتقاله بشأن تعليقات نشرها على فيسبوك خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، أي قبل انتقاله إلى الإمارات، عبّر فيها عن دعمه “للمقاومة في غزة” وانتقد الإمارات والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

[ad_2]

لینک منبع

العلم الشرعي والموقف الشرعي

[ad_1]

أسفرت الأزمة الخليجية الحالية عن خيبة أمل عميقة في فقهاء ودعاة مشاهير انحازوا لمواقف حكومات القطيعة، رغم إدراكهم -وإدراك كل مسلم ذي فطرة سليمة وضمير حيٍّ- أن تلك المواقف مناقضة للمعلوم من الدين بالضرورة، لأنها تضمنت قطع الأرحام، ومعاداة أهل الإسلام، وموالاة أعدائهم من الصهاينة، وحصار شعب مسلم شقيق في رمضان.

كما تضمنت الإصرار على انتهاج سياسات جائرة، منها بذْل المال الوافر، والدعاية الإعلامية، والغطاء الدبلوماسي، نصرةً للظالمين، وعونا لهم على استباحة دماء الأحرار الأبرار بغير حق، وسَجْنهم وتعذيبهم، وتشريدهم من أوطانهم، لمجرد أنهم طالبوا بالحرية والعدل في بلدانهم.

وزاد من وقْع هذه المواقف المريبة وألمِها في النفوس المؤمنة أن تصْدُر من علماء ودعاة ينتمون إلى بلاد الحرمين الشريفين، التي تهفو إليها قلوب المسلمين في كل أرجاء العالم استمداداً للنور والهداية، ويَفترِض المسلمون في علمائها ودعاتها أن يكونوا قدوة في التعبير عن أحكام الإسلام وقيَمه، بعيداً عن العصبيات الوطنية، والمحاباة السلطانية. وقد ذكّرني هذا الواقع الأليم بقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال في ديوانه “جناح جبريل”:

ذهب الدراويشُ الذين عهدْتُهم ** لا يعبؤون بصــــارم ومهنَّـــــدِ
وبقيتُ في حَرَمٍ يتاجر شيــخُـه ** بوشاح فاطمةٍ ومصحف أحمدِ

ويبدو لي أن السبب في كل هذا السقوط هو الانسلاخ من القيم السياسية الإسلامية، خصوصا مبدأ المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام الشرع، ومبدأ “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. فقد أوجب الله تعالى على الحاكم أداء الأمانة والحكم بالعدل، وأوجب على المحكوم طاعة السلطة الشرعية في المعروف، ووضعَ مبدأً يحتكم إليه الطرفان وقت الخلاف، وهو الرد إلى الله والرسول، أي الاحتكام إلى القرآن الكريموسنة النبي صلى الله عليه وسلم، بدل الاحتكام إلى منطق القوة وقانون الغاب.

زاد من وقْع المواقف المريبة لبعض علماء المسلمين وألمِها في النفوس المؤمنة أن تصْدُر من علماء ودعاة ينتمون إلى بلاد الحرمين الشريفين، التي تهفو إليها قلوب المسلمين في كل أرجاء العالم استمداداً للنور والهداية، ويَفترِض المسلمون في علمائها ودعاتها أن يكونوا قدوة في التعبير عن أحكام الإسلام وقيَمه، بعيداً عن العصبيات الوطنية، والمحاباة السلطانية

فالمبادئ الأربعة المتضمنة في آيتيْ الأمراء (وهي أداء الأمانة، والحكم بالعدل، وطاعة السلطة الشرعية، والرد إلى الله والرسول) مبادئ مترابطة يعضِّد بعضها بعضا، ولذلك وردت في سياق واحد هو قوله تعالى موجِّها الخطاب للأمراء: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعمَّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا” (سورة النساء، 59)، ثم مخاطبا الرعية في الآية التالية: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا” (سورة النساء، 60).

قال الإمام الشافعي مفسِّرا قوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول: “فإن تنازعتم: يعني -والله أعلم- هم وأمراؤهم الذين أُمِروا بطاعتهم. فرُدُّوه إلى الله والرسول: يعني -والله أعلم- إلى ما قال الله والرسول”. (الشافعي، الرسالة، 79). وقال الزمخشري في تفسيرها: “فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردوه إلى الله ورسوله، أي: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة”. (الزمخشري، الكشاف، 1/524). وقد ورد الأمر بالرد إلى الله والرسول بعد الأمر بالطاعة مباشرة، إشارةً إلى أن حدود الطاعة كثيرا ما تكون مصدر تنازع بين الحاكم والمحكوم، وأن حل هذا التنازع يكون بالاحتكام إلى القرآن والسنة. 

ولمبدأ الرد إلى الله والرسول مدلولان: مدلول مرجعي وهو أن الكتاب والسنة هما المصدر في حل التنازع، ومدلول دستوري وهو المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون، وهو مرادف لمفاهيم “حكم القانون” و”المساواة أمام القانون” في الاصطلاح الدستوري المعاصر. أما المدلول الأول فواضح في الثقافة الإسلامية، وأما الثاني فأصابه الكثير من الغبش على مرِّ القرون، وهو ما نركز عليه هنا.

لقد جاء الإسلام بالمساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الفكر السياسي البشري، حتى إن النبي صلى الله عليه عرَض على أحد أصحابه أن يقتصَّ منه، حين آلمه بوخز سهم بيده على سبيل الخطأ (ابن هشام، السيرة النبوية 1/626).

واستلهم عمر بن الخطاب هذا الهدْي النبوي فأقاد من نفسه، واستنكر ضرب السلطة للناس بغير وجه حق، بل اعتبر ذلك تعدِّياً على “حِمى الله” عز وجل: “عن حبيب بن صهبان قال: سمعت عمر يقول: ظُهُور المسلمين حِمَى الله لا تَحِلُّ لأحد، إلا أن يُخرجها حدٌّ. قال: ولقد رأيتُ بياض إبطه قائماً يُقِيد من نفسه”. (عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، 9/464). وقد أورد المحدِّث عبد الرزاق الصنعاني هذا الأثر وآثاراً أخرى في الموضوع تحت عنوانيْن معبِّريْن وهما: “باب القود من السلطان.” و”باب قود النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه”. (عبد الرزاق، المصنف، 9/462، 465).

وقد أحسن إمام الحرمين (قديماً) أبو المعالي الجويني (419-478 هـ) التعبير عن المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون في الإسلام، فقال: “فالمسلمون هم المخاطَبون، والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحدٍ من الأنام، ولكنه مستناب في تنفيذ الأحكام”. (الجويني، غياث الأمم، 276).

وهذا المبدأ الإسلامي -القاضي بالمساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون- خروجٌ على تقاليد الملكيات العتيقة التي كانت سائدة في العالم في صدر الإسلام، كما بيَّنه العلامة محمد رشيد رضا في قوله: “التقاليد المتَّبَعة في المُلْك أن المَلِك فوق الرعية فلا يتطاولون إلى مقامه الأعلى ليسألوا عما فعل، وهذا شيء أبطله الإسلام بجعْله إمام المسلمين كواحد منهم في جميع أحكام الشريعة…، وكان المسلمون يراجعون الخلفاء الراشدين ويردون عليهم أقوالهم وآراءهم، فيرجعون إلى الصواب إذا ظهر لهم أنهم كانوا مخطئين”. (رشيد رضا، الخلافة، 147-148).

لكن المسلمين -للأسف الشديد- أضاعوا في جل مراحل تاريخهم مبدأ الرد إلى الله والرسول، بهذا المعنى الدستوري الذي يضمن المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون. فقلما وُجد في التاريخ الإسلامي حاكم يضع نفسه مع المحكومين على قدم المساواة أمام حكم الشرع، خصوصا إذا تعلق الأمر بأمور السياسة والحكم.

صحيح أنه وُجد حكام كثرٌ في التاريخ الإسلامي أقاموا شيئا من العدل بين رعاياهم، وكفُّوهم عن التظالم فيما بينهم بشكل عام، لكن أولئك الحكام استثنوا أنفسهم من معايير العدل التي طبقوها على رعيتهم. وقد لاحظ ابن خلدون ذلك، فأشار إلى أن الرعايا “مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم، إلا إذا كان من الحاكم نفسه”. (ابن خلدون، المقدمة، 159).

المساواة أمام القانون بين القوي والضعيف، وبين الحاكم والمحكوم هي التحدي الأكبر في السياسة. ومن غير هذه المساواة يُذعن الحق للقوة، وتضيع كل القيم السياسية، ويجعل الطغاة إرادتهم قانونا. وقد جعل الإسلام مسؤولية الحاكم مضاعفة، فهو مسؤول أمام الله في الآخرة، ومسؤول أمام الناس في الدنيا

 
بل إن استئثار الحاكم بالظلم -مع منعه الرعية من التظالم- أصبح هو المثل الأعلى في ثقافة المسلمين أحيانا. ولذلك “قال الأعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن الحجاج -وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران- فقال: تركتُه يظلِم وحدَه”. (ابن خلدون، المقدمة، 188). وكأن ظلم الحاكم للمحكومين مستثنىً من تحريم الظلم في دين الإسلام!!

وما أبْعدَ هذا التصور الذي يجعل السلطان فوق القانون من المثال الذي سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث المساواة التامة بين الحاكم والمحكوم أمام الشرع، حتى شرع لعامة الناس الانتصاف من حكامهم والاقتصاص منهم.

فالمساواة أمام القانون بين القوي والضعيف، وبين الحاكم والمحكوم هي التحدي الأكبر في السياسة. ومن غير هذه المساواة يُذعن الحق للقوة، وتضيع كل القيم السياسية، ويجعل الطغاة إرادتهم قانونا. وقد جعل الإسلام مسؤولية الحاكم مضاعفة، فهو مسؤول أمام الله في الآخرة، ومسؤول أمام الناس في الدنيا.

ولا تلغي أيٌّ من المسؤوليتيْن الأخرى: فلا مسؤولية الحاكم أمام الله في الآخرة تلغي مسؤوليته أمام الناس في الدنيا وقد استأمنوه على مصالحهم وشأنهم العام، ولا مسؤوليته أمام الناس ومحاسبتهم له في الدنيا تلغي حسابه الأخروي بين يدي الله. وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسؤولية المضاعفة، فقال: “إن الخلق عباد الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهمْ وكلاءُ العباد على نفوسهم”. (ابن تيمية، السياسة الشرعية، 12).

أما القيمة الثانية من أمهات القيم السياسية التي نحتاج التذكير بها اليوم -لما رأيناه من انسياق أعمى مع أوامر السلطة في هذه الأيام، حتى وإن خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام- فهي مبدأ “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. فللسلطة الشرعية حق الطاعة على الناس في كل ما يحقق مصلحة عامة، ولا يناقض أحكام الشرع وبنود العقد بين الطرفين.

والطاعة هي الشق الثاني من العقد السياسي بين الحاكم والمحكوم بعد الأمانة والعدل. فقد رأينا في آيتيْ الأمراء في سورة النساء كيف أمر القرآن الكريم الحكام بأداء الأمانة والحكم بالعدل، ثم أمر الرعية بطاعة السلطة الشرعية، تأكيدا على تلك المعادلة ذات الشقين، التي تجمع بين واجبات الحاكم وواجبات المحكوم.

ولا تكون الطاعة واجبة إلا لمن كانت بيعته شرعية بشروطها الشرعية. وأهم تلك الشروط هو أن تكون البيعة اختيارية، ليست فيها شبهة إكراه. وهذا هو مدلول الحديث النبوي: “من بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع”. (صحيح مسلم، 3/1472)، فلا أوضح في شرط الاختيار في البيعة من تعبير إعطاء “صفقة اليد” و”ثمرة القلب”.

وفي ربط الطاعة بأداء الأمانة والحكم بالعدل في آيتيْ الأمراء دلالة صريحة على أن متولِّي السلطة بغير رضا المحكومين لا طاعة له، إذ هو يتصرف خارجَ مفهوم الأمانة، وداخلَ مفهوم الغصْب في الشريعة الإسلامية. ولعل الزمخشري كان أبلغ المفسرين تعبيرا عن هذا المعنى في شرحه لآيتيْ الأمانة والطاعة، إذ وصف حكام الجور بأنهم “لصوص متغلِّبة” ورفَض أي إسباغ للشرعية عليهم، أو إلزام الناس بطاعتهم.

قال الزمخشري: “لما أَمَر (اللهُ) الولاةَ بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أَمَر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق، لأن أمراء الجور اللهُ ورسولُه بريئان منهم، فلا يُعطَفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم. وإنما يُجمَع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان… وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جمع الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أنْ أمَرَهم أولاً بأداء الأمانات، وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل. وأمراء الجور لا يؤدون أمانة، ولا يحكمون بعدل، ولا يرُدون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنَّة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحقُّ أسمائهم اللصوصُ المتغلبة”. (الزمخشري، الكشاف، 1/524).

بعض فقهاء المسلمين أوغلوا في طريق الكبح والزجر، وصاغوا الرخصة المصلحية الظرفية بلغة العزيمة الشرعية الدائمة، وتورطوا -بحسن نية- في تشريع الاستبداد والقهر، ومنحوا السلطة غير الشرعية حقوق السلطة الشرعية من طاعة ونصح ونصرة. وجاءت الطامة الكبرى في طاعتهم للسلطة غير الشرعية طاعة مطلقة، حتى فيما هو معصية بواحٌ لله عز وجل

كما يدل ربط الطاعة بأداء الأمانة والحكم بالعدل أيضا على أن المتصرف في السلطة بغير أمانة وعدل -حتى وإن كان حاكما شرعيا- لا طاعة له، إذ هو ناقضٌ للعهد بينه وبين الأمة، عاصٍ لله تعالى في فعله. فالطاعة في الإسلام ليست طاعة مطلقة على النمط الإمبراطوري الذي يجعل إرادة الحاكم قانونا، بل هي “طاعة مستثناة” بتعبير الإمام الشافعي.

قال الشافعي في شرح آية الطاعة: “كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة. فلما دانت لرسول الله بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله. فأُمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمَّرهم رسول الله، لا طاعة مطلقة، بل طاعة مستثناة، فيما لهم وعليهم”. (الشافعي، الرسالة، 1/79).

وقد تضافرت الأحاديث النبوية المقيِّدة لطاعة السلطة الشرعية بالتزام تلك السلطة بمقتضى الشريعة. وفي هذا المعنى ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الطاعة في المعروف” (صحيح البخاري، 9/63. صحيح مسلم، 3/1469)، “لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف”. (صحيح مسلم، 3/1469)، “من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه”. (سنن ابن ماجه 2/956. وقال محققوه شعيب الأرنؤوط وآخرون: “حسن صحيح”)، “لا طاعة لأحد في معصية الله”. (مسند أحمد، 34/252. وقال محققوه شعيب الأرنؤوط وآخرون: “إسناده صحيح”).

وأكد هذا المعنى الإمام الحسن البصري حين سأله والي العراق عمر بن هبيرة “عن الكتاب يَرِد عليه من سلطانه بما فيه مخالفة [للشرع]، هل له سعة في تقديم الطاعة له؟ فقال [الحسن]: الله أحقُّ أن تطيعه، ولا طاعة له في معصية الله. فاعرضْ كتابَ أمير المؤمنين على كتاب الله، فإن وجدتَه موافقاً له فخُذْ به، وإن وجدتَه مخالفاً فأبْعِدْه”. (ابن الأزرق، بدائع السلك، 2/96).

وهكذا فإن الطاعة السياسية في الإسلام مقيَّدة بقيْدين اثنين: قيْدِ الشرْعية وقيد الشريعة. فلا طاعة لسلطة ليست نابعة من اختيار الناس، ولا طاعة فيما يخالف الشريعة حتى وإن كانت السلطة الآمرة به كاملة الشرعية السياسية.

لكن بعض فقهاء المسلمين أوغلوا في طريق الكبح والزجر، وصاغوا الرخصة المصلحية الظرفية بلغة العزيمة الشرعية الدائمة، وتورطوا -بحسن نية- في تشريع الاستبداد والقهر، ومنحوا السلطة غير الشرعية حقوق السلطة الشرعية من طاعة ونصح ونصرة. وجاءت الطامة الكبرى في طاعتهم للسلطة غير الشرعية طاعة مطلقة، حتى فيما هو معصية بواحٌ لله عز وجل، كما نراه أمام أعيننا هذه الأيام.

إن ما على المسلم اليوم إدراكه بوضوح هو أن قيمة الفقيه أو الداعية ليست في علمه الشرعي بل في موقفه الشرعي، فكم من مستشرق ضليع في الفقه الإسلامي والتاريخ الإسلامي سلخ حياته في حرب على الإسلام.

والرأي في أوقات الصخب والتدليس والتباس المواقف أن يستفتي المسلم قلبه، اتباعا للحديث النبوي الآمر بذلك، ويبتعد عن المواقف غير الشرعية التي قد يتبناها بعض حملة العلم الشرعي خوفا، أو طمعا، أو اتباعا للهوى، أو محاباة للسلاطين. ولعل أبلغ نصيحة في هذا المضمار هي نصيحة محمد إقبال:

تمعّنْ بقلبك واستفتــــه ** ولا تسأل الشيخَ عن شانـهِ
خلا حَرَمُ الله من أهلـــهِ ** فكن أنت جذوة أركـانــــــهِ

فقلب المؤمن الصادق الباحث عن الحق أمينٌ لا يخون، وفطرته المتجردة من الهوى والخوف والطمع ميزانٌ لا يكذب، وهما أوْلى بالاتِّباع في أوقات الزيف والالتباس من أيِّ إمام، ولو كان إمام الحرم المكي، وأصدقُ فراسة من أي شيخ، ولو كان من آل الشيخ.

[ad_2]

لینک منبع

مسلمو الفلبين.. قرون الاضطهاد والكفاح

[ad_1]

بعيدا عن بلاد العرب، وتحديدا في الجنوب الشرقي من شواطئ بحر الصين الجنوبي بالقارة الآسيوية، كانت تقبع جزر تعرف بـ”مانبولاس”، أعدادها المأهولة تقارب الألفين من أصل نحو سبعة آلاف، على مساحة تبلغ نحو 300 ألف كيلومتر مربع.

لهذه الجزر حكاية وارتباط طويل مع الإسلام، الذي دخلها بعد وصول دعاة العرب المسلمين عام 1310م، خاصة من حضرموت اليمن، فبوصولهم ترك معظم سكان الجزر الوثنية السائدة، وتحولوا إلى الإسلام الذي بات دينهم الرئيسي.

مع دخول الإسلام وانتشاره تحول اسم الجزر إلى “عذراء ماليزيا”، ولعل التسمية جاءت بسبب تأخر وصول الإسلام إليها، ولأن كثيرا من سكانها كانوا مالاويين، فعدّها دعاة العرب جزءا من ماليزيا.

صلاة العيد في أحد المساجد في ميندناو (غيتي)

إمارات إسلامية
كانت الجزر -ولا تزال- مقسمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، وتشير كتب التاريخ وأحاديث المؤرخين إلى أنها كانت تضم إمارات إسلامية كثيرة في المنطقة.

جزيرة لوزون الشمالية تبلغ مساحتها نحو 150 ألف كيلومتر مربع، وكانت فيها إمارة كبرى، وكانت تدعى عاصمتها “أمان الله”، التي حولها الاستعمار الإسباني لاحقا إلى “مانيلا” المعروفة.

وجزيرة مينداناو الجنوبية هي ثانية كبرى الجزر من حيث المساحة التي تقارب 140 ألف كيلومتر مربع، وفيها مجموعة من الجزر يطلق عليها أرخبيل صولو أو “سولو”، وكانت -ولا تزال- من أكثر المدن كثافة بالسكان المسلمين من “بانجسامورو” أو “شعب مورو”.

أما في الوسط فتقع جزيرة بيسايا، التي تضم الكثير من الجزر، وكانت فيها عدة إمارات إسلامية أيضا.
الاستعمار الإسباني و”التنصير”.

مآسي المسلمين في هذه الجزر بدأت مع تراجع قوة وهيبة المسلمين عالميا بسقوط الأندلس، ثم ببدء الحملات الصليبية على بلادهم، كما تروي كتب التاريخ ويرى مؤرخون معاصرون.

اتجه الإسبان غربا بعد أن عرفوا أن الأرض كروية، فقطعوا المحيط الأطلسي والمحيط الهادي ليطوقوا العالم الإسلامي من الشرق، ووصلت طلائع قواتهم إلى الجزر عام 1521م بقيادة المستكشف ماجيلان، ليحولوا اسمها بعد سقوط معظمها إلى جزر “الفلبين”، نسبة إلى الملك الإسباني “فيليب الثاني” آنذاك.

في حوار خاص مع الجزيرة نت، قال الأستاذ سعيد سالينداب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في الفلبين إن “القوات الإسبانية بدأت بغزو وهزيمة المسلمين بقيادة الحاكم رجا سليمان في المناطق الشمالية، فتنصر من تنصر، وكان الموت مصيرا حتميا لمن أبى التنصير، وبهذا باتت المسيحية الكاثوليكية دين الأغلبية السكانية في البلاد”.

وفي هذا السياق، أشار سالينداب إلى أن العاصمة “أمان الله” دمرت وأحرقت بالكامل، ثم أعيد بناؤها دون ترك أي معلم إسلامي، وأعيدت تسميتها بحذف الهمزة وتحريف الاسم لتصبح “مانيلا”.

وتابع “ثم واصلت القوات الإسبانية غزواتها في المنطقة الوسطى، حيث وجدت مقاومة إسلامية بقيادة الحاكم المسلم لابو لابو بمدينة سيبو، لكنها انتصرت بسبب التفوق العددي والتسليح، رغم أن لابو لابو تمكن من قتل القائد الإسباني ماجيلان”.

وأضاف سالينداب “القوات الإسبانية واصلت هزيمة المقاومة الإسلامية في المنطقة الوسطى، ووصلت إلى جزيرة مينداناو الجنوبية، وبسبب الكثافة العددية للمسلمين هنا، انتفض الناس وتكونت مقاومة إسلامية شرسة، مما دفع الإسبان للانسحاب بسبب فداحة خسائرهم”.

مناطق المسلمين من أكثر المناطق تخلفا وفقرا في التنمية (الجزيرة)

الاستعمار الأميركي والياباني
لم تتمكن إسبانيا من احتلال جزيرة مينداناو كاملة، وتعرض أسطولها البحري لخسائر كبيرة إثر حرب دارت بينها وبين أميركا عام 1898م.

يقول الأستاذ سعيد سالينداب إن مقاومة مسلمي مينداناو المستمرة والحرب مع القوات الأميركية دفعت إسبانيا للانسحاب، فوقعت مع أميركا اتفاقا يقضي بتسليم الفلبين مقابل 20 مليون دولار، ولم تكن جزيرة مينداناو آنذاك جزءا منها، لتبدأ فترة الاستعمار الأميركي، التي استمرت منذ العام 1898 حتى 1941م.

يشير سالينداب إلى أن الاستعمار الأميركي قمع ثورة شعبية ضده قام بها مسلمو شعب مورو في مينداناو منذ العام 1898 وحتى 1901 رفضا لضم الجزيرة إلى الفلبين، ثم عمل على نشر الجهل ومصادرة أراضي المسلمين وبث الفتن بين إماراتهم، فتفرقوا وضعفوا ليتمكن من السيطرة على جميع أرجاء الجزيرة التي استعصت على الإسبان عدة قرون، فلم تعد بيد المسلمين إلا نسبة تقارب 25% من أراضي مينداناو، بعد أن كانت كلها لهم.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية، احتلت اليابان جزر الفلبين وطردت منها الأميركان، لكنها قوبلت أيضا بمقاومة شعبية كبيرة في جزيرة مينداناو التي لم تكن جزءا من الفلبين رسميا بعد، وبفعل المقاومة وعودة الحملات الأميركية هزمت اليابان عام 1946، ومنحت الفلبين استقلالها.

وهنا يشير سالينداب إلى “مؤامرة” أميركية يابانية لضم جزيرة مينداناو وشعب “مورو” إلى أراضي الفلبين وفق اتفاقية الاستقلال، وهو ما تم بسبب ضعف وتفرق المسلمين ومعاناتهم من ويلات الحرب، وأدخلهم في دوامة صراع جديدة، ولكن مع حكومة الفلبين المستقلة هذه المرة.

مقاتلو جبهة تحرير مورو الإسلامية (الأوروبية)

الصراع على الأرض
الحكومات الفلبينية المتعاقبة ورثت إرادة الاستعمار بطمس الهوية الإسلامية كما يرى الأستاذ سعيد سالينداب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في الفلبين، وقوبلت أيضا بمقاومة شعبية وعسكرية واسعة في جزيرة مينداناو.

يقول سالينداب إن الحكومة الفلبينية سارعت بممارسة القمع السياسي ضد شعب مورو، ونهب ثرواتهم وأخذ أراضيهم بالقوة، مما دفع شعب مورو لحمل السلاح ضدها، بعد أن خاض حربا طويلة لأكثر من 300 عام مع الإسبان.

ويشير في هذا الإطار إلى تشكيل عدة حركات لمقاومة الحكومة، أولها حركة استقلال مينداناو، التي كان هدفها استعادة استقلال الجزيرة عن أراضي الفلبين، وكان يترأسها حاكم محافظة ماجيندانو آنذاك داتو أوتدوغ ماتالم.

في المقابل تشكلت حركات مسيحية لمحاربة مسلمي مورو، من أبرزها حركة “إيلاغا” التي دعمها سياسيون وأغنياء، وكانت تهدف إلى قتل المسلمين وأخذ ممتلكاتهم، فقتلت بالفعل الآلاف منهم.

ويضيف أن العلاقة مع حكومة الفلبين تأزمت بعد أن عمدت إلى تطبيق “الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية” ضد المسلمين زمن حكم الرئيس فرديناند ماركوس عام 1972، وهو الذي وعد بابا الفاتيكان بتحويل الفلبين إلى دولة مسيحية كاثوليكية بالكامل آنذاك.

وأوضح أن حكومة ماركوس ارتكبت الكثير من المجازر والمذابح بحق مسلمي مينداناو، لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة كل مدينة وقرية وبيت، وأدت إلى هجرة الكثيرين منهم إلى الخارج، أو إلى مناطق فلبينية أخرى بحثا عن الأمن والعمل.

واقع، يقول سالينداب، إنه أدى إلى توحد قوى شعب مورو عام 1972، وبدء “الجهاد العسكري” المنظم، الذي قادته آنذاك “جبهة تحرير مورو الوطنية” بقيادة نور ميسواري، وكانت خليطا من العلمانيين والمسلمين المتدينين.

لحظة توقيع اتفاق السلام بين جبهة تحرير مورو الإسلامية والحكومة الفلبينية (أسوشيتد برس)

سنوات التفاوض والمراوغة
شعرت الحكومة الفلبينية بأنها لا تستطيع مقاومة شعب مورو بالسلاح، ولهذا اضطرت للتفاوض معه مطلع السبعينيات، ووصلت مع الجبهة الوطنية إلى اتفاق طرابلس عام 1976، برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي والحكومة الليبية في عهد القذافي، يقضي بمنح شعب مورو حكما ذاتيا على أرضهم.

لكن سرعان ما خيب الاتفاق آمال شعب مورو في مينداناو، لأنهم رأوا أن حكومة الرئيس ماركوس لم تنفذ بنوده، والتفت على مطالبهم.

يقول سالينداب إن الاتفاقية انتهت بعبارات أفسدت بنودها، وأفرغتها من صلاحياتها السياسية، خاصة في بندها الأخير، الذي رد أي خلاف أو سوء فهم إلى “معنى مقبول يوافق الدستور الفلبيني”، وهذا جمد تنفيذ الاتفاقية، لأن الدستور الفلبيني يعارض وجود حكم ذاتي عملي.

سريعا ما أدت اتفاقية طرابلس إلى انشقاقات كبيرة في الجبهة الوطنية، بدءا من العام 1977، وهو ما انتهى بتأسيس “جبهة تحرير مورو الإسلامية” عام 1983 بقيادة سلامات هاشم.

وهكذا استمرت المعارك بين الحكومة وقوات الجبهة الإسلامية منذ ذلك الوقت، حاصدة أرواح أكثر من 150 ألف مسلم من شعب مورو منذ الاستقلال، وخلفت مئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، إضافة إلى ملايين المهاجرين هربا من الحرب، وبحثا عن لقمة عيش في مكان آمن.

في العام 1997 دخلت الحكومة مع جبهة تحرير مورو الإسلامية في مفاوضات استمرت أكثر من 16 عاما، حتى وصل الجانبان إلى “اتفاقية إطارية جديدة” أواسط أكتوبر/تشرين الأول 2012.

اتفاقية بثت أملا جديدا بانتهاء قرون الكفاح، كما يصفها شعب مورو الذي يبلغ تعداده اليوم نحو ستة إلى سبعة ملايين نسمة من أصل نحو 13 مليون مسلم في الفلبين التي يسكنها نحو 100 مليون نسمة، وتقضي بمنحهم حكما ذاتيا بصلاحيات واسعة، في خمس محافظات يشكلون فيها الأغلبية كمسلمين.

[ad_2]

لینک منبع

أبعد من الهجمة على "الجزيرة"

[ad_1]

محاور الهجمة
انهيارات مهنية 

تقع “الجزيرة” في بؤرة القصف المكثف لكنها ليست وحدها المستهدفة. فما يشهده العالم العربي هذه الأيام ليس أقل من ردّة جسيمة عن مكتسبات تحققت خلال العقدين الماضيين، في مجال حرية الإعلام وتبادل المعلومات وتعددية مصادر المعرفة للمجتمعات.

رفعت “الجزيرة” -بمجرد تأسيسها عام 1996- السقوف الإعلامية العربية الواطئة مستفيدةً من تطورات الإعلام والاتصال، واستنفرت بالتالي تجارب منافسة لها محسوبة على عواصم عربية، فبدا هذا تطورا حميدا للوهلة الأولى.

ظهرت شاشات عربية في هيئة مكافئ موضوعي “للجزيرة”، منحتها العواصم هامشاً أوسع من المحطات الرسمية التقليدية التابعة للعواصم ذاتها. لكنّ تجارب منافسي “الجزيرة” لم تحتمل طويلاً استحقاقات المهنية


ظهرت شاشات عربية في هيئة مكافئ موضوعي “للجزيرة”، منحتها العواصم هامشاً
أوسع من المحطات الرسمية التقليدية التابعة للعواصم ذاتها. لكنّ تجارب منافسي “الجزيرة” لم تحتمل طويلاً استحقاقات المهنية، فانزلق بعضها إلى خطابات “المحافظين العرب الجدد”، وآلت مع الوقت إلى منابر متشددة في تحاملها على التجارب الإصلاحية وحركات المقاومة مثلاً.

ومع هبّات الشعوب العربية عام 2011 تعمّق الافتراق، وبرزت القنوات والمواقع والصحف ذاتها في خنادق الثورة المضادة، فأشبعت مطالب الحرية والديمقراطية والإصلاحات ذمّا وتشويهاً.

ما يجري الآن من تصعيد يتجاوز فكرة الهجمة على “الجزيرة” وباقة من وسائل الإعلام العربية التي يأتي ذكرها في القوائم، فهو محاولة للهيمنة على وعي الجماهير العربية وحقها في تنويع مسارب المعرفة، لاستكمال مقومات الإجهاز على نبض الشعوب.

إنها بالأحرى هجمة على المجتمعات العربية التي يُراد لها أن تعود إلى قمقم محكم الإغلاق، وفق ما كانت عليه الحال في القرن الماضي؛ كي تهيمن عليها رواية محبوكة بين السلطة ورأس المال الإعلامي المرتبط بالسلطة ذاتها.

محاور الهجمة
تجري الهجمة على وعي المجتمعات العربية عبر محاور إعلامية متضافرة، مثل محور الحجب والحظر، ومحور الترهيب والتجريم، ومحور التوجيه الدعائي.

فعلى صعيد الحجب والحظر؛ تدهور العالم العربي خلال شهر واحد فقط بما يكافئ عقدين من الزمن الإعلامي إلى الوراء. جرى ذلك عبر حزمة قرارات الحجب والحظر التي طاردت مؤسسات إعلامية عربية بارزة في أسابيع قليلة.

لم يبالغ بعضهم عندما وصفوا ما يجري بأنه معركة “كسر عظم”، تندفع فيها هراوات السلطات الحاكمة لتهشيم الانفتاح الإعلامي النسبي، الذي عرفته المجتمعات العربية في ظلال ظاهرة “الجزيرة” وما بعدها في الشاشات والشبكات.

تتفاعل الحالة حتى خارج الإقليم الخليجي المأزوم، عبر هجمات محلية متعددة على وسائل الإعلام التي لا تباشر التصفيق للرواية الرسمية، ومن ذلك إقدام السلطة الفلسطينية على ما يوصف حقًّا بأنه “مجزرة إعلامية”، استغلت بموجبها أسبقيات الأزمة الخليجيةفحجبت عشرات المواقع التي تعود لمؤسسات إعلامية فلسطينية بارزة. بوسع المتصفح الفلسطيني الوصول إلى مواقع الاحتلال عبر الشبكة دون أن يفلح في العثور على مواقع فلسطينية محترمة.

وعي المجتمعات ذاتها موضوع في بؤرة الاستهداف، وهو ما يتحرّاه محور التوجيه الدعائي في هذه الهجمة الضارية، إذ يراهن على تحويل طائفة عريضة من وسائل الإعلام العربية إلى أبواق مارقة من مواصفات الصنعة الحديثة، بعد زمن علت فيه شعارات زاهية عن المعايير المهنية

أما محور الترهيب والتجريم في هذه الهجمة؛ فلا يدخر جهداً في ردع الشعوب كي لا تستعمل قدراتها الإعلامية الحرة في الشبكات والتطبيقات. تم تشديد العقوبات على المضامين غير المرغوبة سياسياً في مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الأجهزة الذكية، فباتت بالغة القسوة إلى حد يصعب تصديقه.

قررت عواصم عربية الخروج من التاريخ الإعلامي عبر قوانين متشددة وقرارات فجة، تسهر على تنفيذها هيئات الدولة وأجهزة الأمن، فنسفت شعارات الانفتاح الدعائية التي تتباهى بها في منصات العالم. أطلقت مواطنة خليجية تعليقا يسخر من هذه الحالة المتدهورة؛ بأن اقترحت على بنات جلدتها حيلة ماكرة للتخلص من زوج مزعج، عبر اقتناص هاتفه وكتابة نص وجيز باسمه في “تويتر” أو “واتس أب” يحمل “شبهة التعاطف مع قطر”، وبهذا يقع التخلص منه خمس عشرة سنة كاملة خلف القضبان! إنه ذكاء المجتمعات الذي يتملص من حُمّى الترهيب بسلاح النكتة.

لكنّ وعي المجتمعات ذاتها موضوع في بؤرة الاستهداف، وهو ما يتحرّاه محور التوجيه الدعائي في هذه الهجمة الضارية، إذ يراهن على تحويل طائفة عريضة من وسائل الإعلام العربية إلى أبواق مارقة من مواصفات الصنعة الحديثة، بعد زمن علت فيه شعارات زاهية عن المعايير المهنية.

يستفيد القوم في هذا المنحى من صعود الأخبار المزيفة في العالم التي باتت تصنع الحدث على أي حال. يتضح هذا المنحى في المجال الإخباري مثلاً، من خلال انزلاق النشرات والبرامج الإخبارية إلى لغة دعائية فجة لم تكن متصورة قبل سنوات خلت، دون التورّع عن حشد مفردات خشنة وإيحاءات تخدم أغراض التشويه والتحريض، والتعبئة في اتجاهات محسوبة قررتها دوائر السلطة والأمن.

أما في المجال الدرامي فيبالغ منحى التوجيه الدعائي في الدفع بمسلسلات يحكمها منطق أمني متطرف، يراهن على تشويه التدين بأساليب التصريح والإيحاء، وشيطنة الحركات الإصلاحية، وترهيب المجتمعات بفرض سطوة ذهنية عليها.

وفي المجال الوعظي تم إنتاج طبقة جديدة من الواعظين، مع حملة واسعة لشراء ذمم وجوه محسوبة على العلم والفكر والاستنارة، يجري تحريكها على رقعة الشطرنج الإعلامية عبر برامج تحظى بأفضل أوقات البث.

انهيارات مهنية
ليس بعيدا عن هذا كله تتأجج في العالم العربي حرب أفكار ضارية، نجحت في تجنيد شاشات ومواقع ومراكز ومنابر وعمائم وربطات عنق، في سبيل إعادة إنتاج الوعي العربي، والدفع بمفاهيم ملفقة بعناية. بات بعض “المشايخ” و”الواعظين” و”العلماء” و”المفكرين” و”المتنورين” ينافسون في ظهورهم الإعلامي متحدثي وزارات الداخلية وأجهزة التوجيه المعنوي ومكافحة الشائعات.

انهمكت وفرة من الشاشات العربية في إبراز مزيد من الواعظين المزيّفين في رمضان، ممن لا يقولون الحق كاملا ولا يأمرون الناس بالعدل والقسطاس المستقيم في الشؤون جميعا، ومعهم تفسد أخلاق المجتمعات وتتعلم آفة الاجتزاء في التطبيق والنفاق في القول والعمل، وهي ترى فنونهم في استعمال الدين والعلم الشرعي ومضامين الوعظ والدعاء بشكل انتقائي بغرض المداهنة.

دخل 23 مايو/أيار التاريخ باعتباره محطة انعطاف لا تخطئها العين في البيئة الإعلامية العربية. انقدحت في تلك الليلة شرارة الأزمة الخليجية، التي جاءت باكورتها بتحرير شهادة احتضار مهنية مرقت معها وسائل إعلام عربية من أبسط مواصفات المصداقية

تستعمل حرب الأفكار هذه مفردات رائجة من قبيل “نشر الاعتدال”، و”مكافحة التطرف” الذي هو شعار صاعد تنتظم في ظلاله طوابير ممتدة، تأكل خبزها اليومي من صناعة إعلامية وبحثية ودينية ومجتمعية متضخمة. والتطرف الذي يتحدثون عنه ليس حالة محددة النطاقات معرّفة المواصفات، بل وصمة فضفاضة يمكن إلصاقها بأطياف واسعة؛ وفق انطباعات وتقديرات نسبية حسب أهواء مُلْصِقِيها.

تشهد المرحلة العربية الراهنة انهيارات جسيمة في واقع المهنية الإعلامية. فقد انزلقت قنوات ومنابر إعلامية -رفعت طويلا شعارات الحياد والمصداقية و”أن تعرف أكثر”- إلى دركات غير مسبوقة من حُمّى التضليل والتزييف الإعلامي.

دخل 23 مايو/أيار التاريخ باعتباره محطة انعطاف لا تخطئها العين في البيئة الإعلامية العربية. انقدحت في تلك الليلة شرارة الأزمة الخليجية، التي جاءت باكورتها بتحرير شهادة احتضار مهنية مرقت معها وسائل إعلام عربية من أبسط مواصفات المصداقية.

نسجت غابة القنوات والمواقع والصحف -التي تدور حول كوكب السلطة- رواية مذهلة في تطابقها، تأسيساً على مواد مزيفة نشرتها أيدٍ عابثة في موقع وكالة الأنباء القطرية بعد قرصنته. تضخّمت الرواية في العتمة عبر أبواق كبرى استحضرت فيلق المحللين الجاهزين للمهمة وقت الفجر، كي يباشروا حملات شيطنة من وحي حدث منسوج بليل.

لم تلتفت جمهرة الأبواق إلى بلاغات الدوحة عن اختراق موقعها الإخباري وتكذيبها الصارم لما جاء فيه، بل واصلت ترويج روايتها بلا هوادة، في استخفاف صارخ بذكاء المشاهدين العرب.

حررت الأنظمة بهذه المناورة الساذجة شهادة وفاة شاشات ومواقع وصحف تتبع رأس المال الإعلامي المرتبط بها. انهارت استثمارات ضخمة في تلك الأبواق على محك الموقف، فمن بيدهم أمرها أخرجوها من التاريخ الإعلامي وقوّضوا بناءها المهني من القواعد، عندما دفعوا بها إلى سبيل المدرسة القديمة في الدعاية التي لا تتقن حتى فن التذاكي في عرض المزاعم والاتهامات.

[ad_2]

لینک منبع

"الإيغور" في تركيا.. هوية تفر من التنين

[ad_1]

بين وطن حبيس في “جوف التنين” وشمس لا تبتسم لأرض الغربة، يتقاسم الإيغوريون الأحزان والآمال معاً، فهناك في شمال غرب الصين هجروا الخوف حين ودعوا الأهل والعشيرة والديار، وهنا في تركيا ذاقوا مرارة الغربة في حضن الأمن والسلام.

يحمل شعب تركستان الشرقية (الإيغور) الذي استقر في تركيا رؤية بتحرير أرضه من الاحتلال الصيني، ويؤمن بعدالة قضيته التي يشبِّهها كثيرا بقضية فلسطين، أما رسالته فهي الحفاظ على هوية الآباء والأجداد بما فيها من تراث وتقاليد تمثل للإيغور كنزا لا يقدر بثمن.

بدأت هجرات شعب تركستان الشرقية هربا من بطش العملاق الصيني ونظامه الشيوعي منذ خمسينات القرن الماضي، فجابت أفواج النازحين منهم أرجاء البلاد القريبة متنقلين في موجات متعاقبة بين أفغانستان وباكستان وكشمير، لكن جالية كبيرة منهم استقرت في تركيا.

ووفقا لإعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل بضعة شهور، فإن تعداد الإيغور في تركيا يبلغ 300 ألف نسمة أكثرهم تجار وموظفون، ويتركزون في عاصمة البلاد أنقرة وكبرى مدنها إسطنبول ومدينة قيصري.

معرض للتعريف بثقافة شعب الإيغور بإسطنبول (الجزيرة)

وتنشط بضع جمعيات ومؤسسات إيغورية في تركيا في العمل لحماية الهوية التركستانية لغة وثقافة وعلوما وتاريخا، ومن بين تلك المؤسسات جمعية معارف تركستان الشرقية التي تتواصل مع الإيغور منذ تأسيسها عام 2006 كي تبقي قضيتهم حية في قلوبهم وإن رحلوا عن بلادهم.

فهذا رئيس الجمعية هداية الله بن حمد الله أوغزهان الذي يقيم في تركيا منذ 13 عاماً ما زال يحمل في مخيلته الكثير من الحكايات والصور عن طبيعة الحياة في تركستان “المحتلة”، ويقول للجزيرة نت أن الإيغوريين في تركيا يجتهدون ليحافظوا على هذا التراث في سلوكهم فتجمعهم مناسبات الفرح والحزن على السواء.

فرضت رياح الغربة على تراث الإيغوريين هواها وعصفت بشعورهم الثقافي الذي بات مختلفا عما كان عليه في أرض الوطن، حتى قال أوغزهان أن “الفرح والترح في الغربة سواء”.

ويستخرج الناشط التركستاني من ذاكرته بعض قصص التراث في بلاده ومنها مراسيم الزواج الذي يبدأ بتوجه إمام جامع الحي مع المصلين بعد صلاة الفجر لتناول الطعام في بيت العروس، فيتناول الرجال طعامهم بالآلاف ثم ينصرفون، لتحضر النسوة ويتناولن طعامهن.

يتوجه العريس بعد ذلك مع أصدقائه إلى بيت العروس بعد صلاة الظهر فتكرمهم العائلة بالطعام على وقع الموسيقى الإيغورية، ويمضي العريس عدة ساعات في بيت أنسبائه ويغادر صحبه لتحل مكانهم النساء مرة أخرى، ثم يأتي الرجال مجددا لزفة العروسين إلى بيت الزوجية بالتكبيرات والتهليل.

أطفال الإيغور في فعاليات وطنية بتركيا (الجزيرة)

ويحيي الإيغور في تركيا كثيرا من المناسبات كالأعياد الدينية والأيام الوطنية المرتبطة بتاريخ كردستان مثل يوم تأسيس الجمهورية الإسلامية في تركستان الشرقية الذي يحتفل به في 12 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام.

كما يحرص شباب الإيغور ونشطاؤهم على المشاركة في الملتقى الأخوي العالمي لأبناء تركستان الشرقية الذي يجمع النخب والمثقفين في أيام ثقافية وعلمية تتخللها الندوات والورش والعروض الفنية ومعارض التراث، وقد أقيمت نسخته الخامسة بمدينة إسطنبول العام الماضي.

ويبين أوغزهان أن الإيغور مرتاحون في تركيا “التي يرحب شعبها بكل المظلومين من العالم الإسلامي، ويقول:”نحن بالذات أصولنا تركية وعلاقاتنا منذ قرون، فالشعب معنا والحكومة أيضا، لذلك لا نجد صعوبة في العيش والحصول على الإقامات”.

لكن المسؤول التركستاني يتمنى أن تساند تركيا قضية شعبه كما تساند القضايا الأخرى، قائلاً: “نحن مظلومون ويجب أن تلقى الصين موقفا قويا من تركيا كطرف يساند تركستان”.
مملكة الخوف
وفيما ينشط قسم من الإيغوريين في الدفاع عن قضيتهم من أرض الغربة، يفضل آخرون اللواذ بالصمت دفعا للأذى الذي قد يطالهم أو أقاربهم في البلاد على يد الحكومة الصينية، ومن بينهم أيوب الذي رفض أن يفصح عن اسمه الكامل أو القبول بتصويره.

سألته الجزيرة نت عن الذي يخشاه وهو في تركيا، فقال أن اليد الصينية الطويلة تلاحق الإيغور وتتجسس عليهم في كل مكان، وتوقع العقوبات الشديدة بمن يتحدث عن انتهاكاتها، مؤكدا أن العقوبات يمكن أن تنال أهالي الناشطين وأقاربهم إن لم تصل إليهم هم.

ندوة حول واقع الإيغور بتركيا (الجزيرة)

ولا زالت مأساة مذابح الإيغور في أورومتشي عام 2009 عالقة في أذهان أبناء تركستان الذين يؤكدون أن التعسف والحكم الظالم على يد الصينيين يتضمن العديد من الصور كالاعتقالات القاسية والسجن لفترات طويلة والتعذيب الذي لا يرحم.

كما تمنع الصين أبناء الإيغور من تعلم لغتهم الأم أو دراسة العلوم الإسلامية وحتى تلاوة القرآن الكريم، وفرضت حظرا على ارتداء الحجاب وصيام رمضان وغير ذلك من الشعائر، بحسب ما يؤكد النشطاء الإيغور.

ووفقا لأيوب، فإن الصين تتعامل مع الشعب الإيغوري كشعب تحت الاحتلال، فتمارس الانتقام من أبنائه الذين يبلغ تعدادهم قرابة الــ 40 مليون نسمة بصور عديدة، موضحا أن لهذا السلوك خلفية دينية محضة وبعد قومي، يتمثل بالرد على نجاح الإيغور بتأسيس جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية مرتين عامي 1933 و1944 وفي ذات الميعاد (12 نوفمبر/تشرين ثاني).

ويعتب أيوب على الأمة الإسلامية التي لا تناصر شعبه في وجه ما يتعرض له ويقول: “تركستان الشرقية جزء من جسد الأمة، هي فلسطين وفلسطين هي تركستان، وإسرائيل هي الصين والصين هي إسرائيل، نحن لدينا قضية احتلال وشعب مسلم يريد الحرية”.

ويضيف: “يجب أن يفهم العرب والمسلمون الذين لا يعرفون الصين على حقيقتها أن تركستان الشرقية ليس فيها مدرسة يتعلم فيها الطفل المسلم القرآن، ومع ذلك وبعد 65 سنة الناس ما زالت مرتبطة بدينها وتتعلمه رغم الضغط الكبير”.

[ad_2]

لینک منبع

ملاعب كأس القارات 2017

[ad_1]

انطلقت يوم السبت 17 يونيو/حزيران 2017 بطولة كأس القارات في نسختها العاشرة بروسيا، التي تقام مبارياته في أربعة ملاعب. هنا نلقي الضوء على هذه الملاعب الأربعة.

[ad_2]

لینک منبع

كيف واجهت قطر الحصار؟

[ad_1]

عملت دولة قطر والمتعاملون معها من شركات عالمية وخطوط ملاحية على اتباع مسارات بديلة والاتفاق على صفقات جديدة لمواجهة الحصار الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين.

[ad_2]

لینک منبع

حصار قطر.. آثار ونتائج

[ad_1]

باغتت السعودية وحليفتاها الإمارات والبحرين العالم فجر الخامس من يونيو/حزيران الجاري بإجراءات غير مسبوقة ضد قطر جارتهم وشقيقتهم في مجلس التعاون. تم ذلك بمشاركة مصر وعلى خلفية مزاعم بتمويل الإرهاب وتوجيهه.

واتخذت تلك الإجراءات صيغة المقاطعة الدبلوماسية والحصار الاقتصادي والحظر الذي كان ضحيته الأولى آلاف الأسر الخليجية المقيمة في هذه الدول.

وردت قطر على الهجمة بالتزام ضبط النفس والدعوة إلى التعقل ورفض الاتهامات الكيدية وسط استنفار دبلوماسي دولي لإيجاد مخرج للأزمة.

وانفردت تركيا بإعلانها تفعيل اتفاقية سابقة للتعاون العسكري مع قطر إلى جانب عرضها التوسط لحل الخلاف، وهو ما حقق التوازن -وفق أحد المحللين- بالنظر إلى استقواء الأطراف الفاعلة في حصار قطر بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الجزيرة نت أعدت تغطية إخبارية تتناول آثار مقاطعة قطر وحصارها على كل المستويات والنتائج السياسية والدبلوماسية على الأزمة ما زالت فصولها تتوالى.

[ad_2]

لینک منبع