هل ينجح غسان سلامة في ليبيا حيث فشل أسلافه؟

[ad_1]

قاعدة تغيير المبعوث
تاريخ من المراوحة
بين الفرص والمخاوف 

يتسلم وزير الثقافة اللبناني الأسبق وأستاذ العلوم السياسية غسان سلامة مهامه على رأس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في وقت بلغت فيه الأزمة الليبية ذروتها، واشتبكت فيها خيوط المحلي بالإقليمي بالدولي، وتداخلت مع أزمات كثيرة في المنطقة والعالم.

على الصعيد المحلي يعاني الاتفاق السياسي الموقّع في مدينة الصخيرات المغربية (17 ديسمبر/كانون الأول 2015) من حالة احتباس، جراء رفض البرلمان التصديق عليه مدفوعا برفض اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يُحكم قبضته العسكرية على أغلب وأهم مدن الشرق الليبي، بما فيها مدينة طبرق مقر البرلمان. 

وتنحصر سيطرة حكومة الوفاق المعترف بها دوليا في العاصمة طرابلس ومحيطها، مع تنامي النزعة الرافضة لاتفاق الصخيرات في الغرب والوسط الليبي؛ حيث نفوذ المجموعات المتمسكة بالخط التقليدي لثروة 17 فبراير.

وقد زاد من تعقيد الوضع دعوةُ رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج إلى انتخابات في مارس/آذار المقبل، وهي انتخابات من الصعب تصور حصولها دون حدوث اتفاق مع معسكر خليفة حفتر، ومجلس النواب الذي يسيطر على مدن منطقة الشرقية. ومن غير المتوقع أن يسمحوا بانتخابات لم يَدعوا لها وهم يعتبرون أنفسهم السلطة الشرعية في البلاد، خاصة أن هذه الانتخابات ستأتي ببرلمان جديد بديل.

أما على الصعيد الإقليمي والدولي؛ فيبدو الفاعلون منشغلين بالأزمة الخليجية التي أعقبت إعلان دول خليجية محاصرة قطر، مما يضع التوازن الإقليمي هناك -الذي ظل يحفظ شيئا من التوازن في الساحة الليبية- أمام تحديات غير مسبوقة. 

وفي المعسكر الغربي؛ لا يزال صانع القرار منشغلا بالتحديات التي طرحها تسلم دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة، وتضارب أولوياته السياسية مع أولويات الدول الرئيسة في الاتحاد الأوروبي، علاوة على علاقته الملتبسة مع روسيا فلاديمير بوتين.

قاعدة تغيير المبعوث
دأبت الأمم المتحدة -منذ سقوط معمر القذافي- على استبدال مبعوثها إلى ليبيا كلما شعرت بوصول جهوده لحلحلة الأزمة إلى طريق مسدود، بسبب استعصاء الأزمة، أو بسبب موقف بعض أطراف الصراع من شخص المبعوث.

ففي أغسطس/آب 2014 عزل الأمين العام للأمم المتحدة المبعوث الأممي لليبيا اللبناني طارق متري، عندما وصلت الحملة التي شنها عليه الإعلام الموالي لخليفة حفتر ذروتها (تيار عملية الكرامة)، جراء دعوته لحوار سياسي بُعيد انتخابات مجلس النواب التي يقول هذا التيار إنه أحرز فيها فوزا ساحقا؛ إذ اتهم إعلامه متري بالانحياز لتيار الإسلام السياسي لمحاولة تعويضه عن الخسارة التي مُني بها في الانتخابات.

دأبت الأمم المتحدة -منذ سقوط معمر القذافي- على استبدال مبعوثها إلى ليبيا كلما شعرت بوصول جهوده لحلحلة الأزمة إلى طريق مسدود، ورغم وجاهة اختيار شخصية عربية بإمكانه استيعاب المزاج الليبي، وفهم تداخلات العلاقات في المنطقة بشكل أفضل؛ فإنه يواجه عقبة تتمثل في سهولة اتهام الشخصيات العربية بالانحياز إلى هذا المعسكر لإقليمي (وبالتالي المحلي) أو ذاك

وبعد سنة من تاريخ نهاية مهمة متري (أي 29 يوليو/تموز 2015)؛ عزل الأمين العام للأمم المتحدة الإسباني برناردينو ليون إثر تسريب صحيفة الغارديان البريطانية مراسلات له كشفت تعامله مع سلطات أبو ظبي ومحاولته تمرير أجندتها في الملف الليبي، وعُين بعده الدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر، الذي أنهى مشوار ليون وأشرف على توقيع الاتفاق السياسي بالصخيرات.

لكن جهود كوبلر توقفت عمليا عند نقطة التوقيع؛ فلم يستطع تليين موقف البرلمان ولا موقف خليفة حفتر -الذي التقاه أكثر من مرة- تجاه الإقرار النهائي للاتفاق ومنح الثقة لحكومة الوفاق، كما لم يستطع كبح جماح التدخل المصري الإماراتي الذي يضغط باتجاه تأزيم الوضع في ليبيا، وفق منطق يستثمر في الفوضى ويحول دون أي حلول من شأنها إنهاء الصراع، وبداية مسار بناء الدولة.

كان متوقعا إذن وفق القاعدة الأممية هذه أن يتنحى مارتن كوبلر، ويترك مكانه لشخصية يختارها الأمين العام للأمم المتحدة، وتنال ثقة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، لكون البعثة تعمل تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

يمكن اعتبار ترشيح غسان سلامة إصرارا من المبعوث الجديد على تكليف شخصية عربية بالمهمة؛ فقد رشح الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس رئيسَ الحكومة الفلسطينية السابق سلام فياض، لكنه قوبل بفيتو أميركي في مجلس الأمن.

ورغم وجاهة اختيار شخصية عربية بإمكانه استيعاب المزاج الليبي، وفهم تداخلات العلاقات في المنطقة بشكل أفضل؛ فإنه يواجه عقبة تتمثل في سهولة اتهام الشخصيات العربية بالانحياز إلى هذا المعسكر لإقليمي (وبالتالي المحلي) أو ذاك.

وذلك نظرا لسهولة القراءة في الخلفيات، وحضور منطق التآمر في منطقة تمزقها الأزمات، وتعرف حالة استقطاب إقليمي غير مسبوق، منذ اندلاع المواجهة بين داعمي ثورات الربيع العربي ومعارضيها.

تاريخ من المراوحة
يلخص المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا طارق متري أزمة البعثة الأممية في عاملين متناقضين يتنازعانها:

1- أن مجلس الأمن -الذي تتبع له البعثة- لا يمكن أن يتخذ قرارا بشأن ليبيا، لأنه يعاني من حالة انقسام شديد في الموقف من الأزمة الليبية؛ فبعد قرار التدخل الذي انتزعته فرنساوالولايات المتحدة مدفوعة بحالة الارتباك جراء اندلاع ثورات الربيع العربي؛ لن تقبل روسيا -التي اعتبرت أنها خُدعت بذلك القرار- صدور أي قرار جدّي بشأن ليبيا.

في حين ترد -في كل البيانات السياسية ومن كل الأطراف- دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تحمل مسؤوليتهما تجاه الوضع في ليبيا، نجد لدى أغلب الأطراف في ليبيا نزوعا إلى توصيف تصرفات المبعوث الأممي -حين لا تتماشى مع رؤيتهم للأحداث- بأنها “تدخل خارجي” و”انتداب جديد”

2- النظرة المزدوجة لليبيين إلى البعثة؛ فهم يريدون منها القيام بأكثر مما في إمكانها، ويتحسّسون من تدخلها لكونها تمثل إرادة خارجية. (عرض متري هذه الرؤية في محاضرة منشورة على اليوتيوب، وشرحها باستفاضة في كتابه: “مسالك وعرة.. سنتان في ليبيا ومن أجلها”)

إن من يتابع الخطاب الإعلامي والسياسي الليبي بشأن دور البعثة يدرك بجلاء دقة توصيف متري؛ ففي حين ترد -في كل البيانات السياسية ومن كل الأطراف- دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تحمل مسؤوليتهما تجاه الوضع في ليبيا، نجد لدى أغلب الأطراف في ليبيا نزوعا إلى توصيف تصرفات المبعوث الأممي -حين لا تتماشى مع رؤيتهم للأحداث- بأنها “تدخل خارجي” و”انتداب جديد”!

جعل هذان العاملان -وغيرهما من نوازع الانقسام، وحالة التشظي التي تعانيها القوى السياسية والعسكرية، والتعقيدات المحلية الشديدة- مأموريات المبعوثين الأمميين في ليبيا تاريخاً من تراكم المراوحة.

ورغم تمكّن الجهود المتراكمة للمبعوثين الثلاثة السابقين (دعا متري إلى الحوار، وأنجز ليون مسودة الاتفاق، وأشرف كوبلر على التوقيع) من إنجاز توقيع أغلب أطراف الأزمة الليبية على اتفاق الصخيرات؛ فإن الهدف من توقيع الاتفاق لم يتحقق، وربما ظل على نفس المسافة التي كان عليها يوم إطلاق الحوار نهاية 2014.

فقد ظل الانقسام السياسي على حاله، كما ظلت وتيرة العنف تصعد تارة وتنخفض أخرى متأثرة بعوامل مختلفة، وظل الاقتصاد الليبي يواصل حالة التدهور مراكما الأعباء على كاهل المواطن، واستمرت هيبة الدولة في التلاشي؛ فهل يمكن لغسان سلامة أن يتجاوز حالة المراوحة هذه؟ وما هي شروط تحقيق ذلك؟

بين الفرص والمخاوف
يمتلك غسان سلامة خبرة في ملفات المنطقة، ووعيا دقيقا بالمعادلات الدولية تشي به كل مداخلاته وما يُنشر من كتابات، كما يمتلك شخصية ثرية فكريا وثقافيا، فهو دارس للقانون وللعلاقات الدولية والآداب، وأستاذ جامعي ومحاضر في أكثر من مجال.

وهو صاحب خبرة في العمل تحت السقوف الأممية، كسبها بعمله مستشارا سياسيا للبعثة الأممية في العراق إثر الاحتلال الأميركي له عام 2003، وهو إلى هذا وزير سابق في لبنان، ومتابع جيد لتطورات الربيع العربي.

مع هذه المميزات؛ ليست مؤكدةً قدرتُه على تسويق نفسه بوصفه مثقفا وسياسيا ودبلوماسيا عربيا ليست لديه أجندة خاصة تجاه الملف الليبي، نظرا لعلاقته بحكام دولة الإمارات المنخرطين في الشأن الليبي.

والذي يُتهمون على نطاق واسع بأنهم من ضمن مقوضي الاستقرار بدعمهم العلني لخليفة حفتر، وبمحاولاتهم التي كشفتها الغارديان لاستمالة المبعوث الأممي السابق الإسباني برناردينو ليون. وقد نال سلامة جائزة الشخصية الثقافية في معرض الشارقة للكتاب سنة 2016، كما حاز جائزة مهرجان أبو ظبي لهذا العام قبل شهر من تعيينه في منصبه الأممي الجديد.

يمتلك غسان سلامة خبرة في ملفات المنطقة، ووعيا دقيقا بالمعادلات الدولية تشي به كل مداخلاته وما يُنشر من كتابات

بعد مرور شهرين على اندلاع الثورة الليبية؛ وصف غسان سلامة -في مقابلة تلفزيونية مع قناة “فرانس 24”- ما يحدث في ليبيا بأنه حرب أهلية، وهو توصيف قريب مما يُفهم من تعامل القوى الغربية اليوم مع الملف الليبي. وقلَّل في ذات المقابلة من أهمية دور الغرب في ثورات الربيع العربي، ولكنه يناقش بوعي المعادلات الدولية الخاصة بالمنطقة العربية.

إذا كان في شخصية سلامة وثقافته وتجربته ما يمكن أن يدفع بمهمته في ليبيا إلى إحداث اختراق؛ فإن العوائق الذاتية في الأزمة الليبية تظل هي ذاتها. وبالإضافة إلى التعقيدات التي تتصاعد يوميا، فإن هناك موازين قوة إقليمية شبه مختلة تقريبا لصالح عدم الاستقرار.

فمعسكر الإمارات ومصر يتصرف بكل الوسائل لتحقيق أجندته في ليبيا، ولا ينظر إلى التوافق الليبي كشرط لتحقيق هذه الأجندة، بل قد يذهب أبعد من ذلك فينظر إلى التوافق باعتباره عائقا في طريق تحقيقها.

وفي مقابل هذا المعسكر؛ فإن قطر وتركيا -وإلى حد ما الجزائر- منشغلة بملفات أخرى، مثل أزمة حصار قطر، والتغييرات الدستورية في تركيا، وملف الأمن في الصحراء بالنسبة للجزائر. وهي عوامل لا تساعد على توسيع دائرة التوافق بشأن الاتفاق، أو إرغام معسكر حفتر على قبول الاتفاق السياسي والدخول تحت سلطة الحكومة المعترف بها دوليا.

يبقى أمام غسان سلامة العملُ مع الأطراف الدولية، إن رغب في خلق نوع من التوازن يسمح له بإحداث اختراق في الساحة الليبية، ولن يكون أمامه لإحداث هذا التوازن -في ظل وضع صانع القرار الأميركي وغياب عقيدة سياسية لدى ترمب- إلا التوجه نحو روما، لأن الموقف الفرنسي قريب من موقف الإمارات ومصر.

لكن المشكلة تكمن في أن إيطاليا أصبحت تفضل العمل بنفسها في ليبيا، ولن تعوّل كثرا على عربي قادم من فرنسا، ومحكوم الإرادة بقرارات مجلس الأمن الدولي المنقسم على نفسه، في الوقت الذي تعد نفسها الأكثر تضررا من الأزمة الليبية اقتصاديا وأمنيا، فهي أكثر الدول اعتمادا على الطاقة الليبية، وأكثرها استهدافا بالقوارب المحملة بالمهاجرين القادمين عبر ليبيا.

لا يبدو -وفق هذا التوصيف- أن سلامة سيجد فرصا كثيرة لتحريك الراكد في الأزمة الليبية، وربما سيجد نفسه لاحقا بمواطنه طارق متري ومغادرا ليبيا بصمت، إن لم توقعه علاقاته في الدائرة التي سبقه إليها الإسباني برناردينو ليون، ويغادر بفضيحة انحياز مدفوع الثمن إلى أحد أطراف النزاع.

ومع أنه من المبكر الجزم بأرجحية فشل سلامة أو نجاحه؛ فإن المؤشرات المتوافرة -إلى حد الساعة- لا تعطيه أفضلية تسمح له باختراق التحصينات التي كانت تقف عقبات أمام المبعوثين الأمميين الذين سبقوه.

[ad_2]

لینک منبع

الموصل.. العودة للمربع الأول وخيار إنقاذها

[ad_1]

مأساة مجتمع مدمَّر
تدويل قضية الموصل 

الحصيلة السياسية لمعركة الموصل هي عودتها إلى المربع الأول، وإلى النظام السياسي الذي سلبها حقوقها ورفض مطالبها السلمية، وانسحب منها وسلمها إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

نتائج هذه المعركة -في حجم التدمير- فاقت كل خيال، وأخذت الموصل موقعها في قائمة المدن المدمرة في التاريخ جنباً إلى جنب مع روما وهيروشيما وبرلين وستالينغراد وغروزني.

ومن المبكر جداً التعرف على حجم الدمار الآخر الذي سيجتاح مجتمع المدينة، الذي بات يتكون من اليتامى والثكالى والأرامل والشيوخ والفقراء والأميين، ومن الذين سيعانون من صدمات نفسية مزمنة.

الرأي الذي سبق المعركة وكان مثار جدل عميق بين من حذر من الطريقة التي ستتم بها استعادة المدينة من “داعش”، وبين من دعا أهل الموصل إلى استقبال قوات الحكومة بأذرع مفتوحة، الرأي القائل: “من يسلّم الموصل لداعش لن يكون أرحم بها حين يريد استعادتها”؛ هذا الرأي يبدو قاصراً اليوم عن تبليغ رسالة المدينة المدمرة إلى التاريخ.

مأساة مجتمع مدمَّر
وصف ما حدث للموصل بأنه العودة إلى المربع الأول -الذي أرادت الموصل الخلاص منه قبل احتلال “داعش” لها في يونيو/حزيران 2014- ليس دقيقاً؛ فثمة مستجدات بعد انسحاب الحكومة من الموصل وعودتها إليها تجعل الواقع اليوم أكثر تعقيداً من ذلك المربع.

المليشيات الطائفية التي أهانت حرمات المجتمع الموصلي غدت اليوم جزءاً من مؤسسات الدولة، ترتدي لباس الجيش والشرطة ولا تحاسب عما تفعل، والموصل مدينة منكوبة ترفض الحكومة الاعتراف بنكبتها

فالمليشيات الطائفية التي أهانت حرمات المجتمع الموصلي غدت اليوم جزءاً من مؤسسات الدولة، ترتدي لباس الجيش والشرطة ولا تحاسب عما تفعل، والموصل مدينة منكوبة ترفض الحكومة الاعتراف بنكبتها. والمعالم البارزة لهذا الواقع الذي تعيشه المدينة المدمرة هي:

– فقدان الأمن.
– خواء خزينة الدولة، فلا أموال من الداخل.
– فقدان الحكومة لثقة الدول المانحة، فلا أموال من الخارج.
– فساد سياسي وإداري من بين الأعلى عالمياً.

هذه المعالم تجعل من مطالب إعادة الاستقرار والبناء آمالاً لا تؤيدها الوقائع على الأرض، يتعامل معها الإنسان الموصلي على المستوى الفردي بخيار الهجرة إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

أما السؤال الذي يردده المجتمع -بفئاته الثقافية والعمرية- فهو: إذا كانت الدولة مفلسة وفاسدة سياسياً؛ فبأي مال سيُعاد بناء الموصل وأيُّ أيادٍ نزيهة ستقوم بذلك؟ والجواب -الذي يحمله السؤال في طياته ويردده أهل الموصل (باستثناء السياسيين)- هو أن الموصل لن يعاد بناؤها.

هذه المعادلة المغلقة تضع أهل الموصل أمام استنتاجات متلازمة: لا إعادة بناء من دون إدارة نزيهة، ولا إدارة نزيهة من دون أمن، ولا أمن بوجود المليشيات وعصابات الجريمة في الموصل، ولا خروج للمليشيات في ظل الوضع السياسي القائم. وتدفعهم نحو خيارات لتفعيل هذه المتلازمة لا يجدونها في الداخل، والبداية من الأمن الذي يفتح الطريق أمام المطالب الأخرى.

كارثة معركة الموصل لم تبدأ بعدُ لأن كوارث الحروب تبدأ بعد صمت المدافع، الموصل لم تعد مدينة كي تضمد جراحاتها، ولا نسيج مجتمعها الناعم صمد أمام ضراوة التدمير ليقوم بالرعاية والكفالة، كما فعل وأبدع بعد الاحتلال الأميركي وسقوط الدولة في 2003.

الموصل على موعد مع تبعات الحرب في ظل واقع سياسي وأمني شاذّيْن، وفشل كلي للدولة، واستعصاء لحلول المشكلات الاجتماعية التي لا تمهل؛ فالموصل مشهد لولادة كل أصناف الجريمة المنظمة التي بدأت في الظهور.

الداء خطير وحجز مريض في مستوصف وعدم نقله إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى كبير يؤدي به إلى الموت لا محالة. وما حدث للموصل أكبر من إمكانيات دولة عاجزة، فضلاً عن أنها دولة متهمة بتسليم الموصل إلى “داعش” ثم تدميرها، ولا القدرة والرغبة موجودتان لتضميد جراحها.

كارثة معركة الموصل لم تبدأ بعدُ لأن كوارث الحروب تبدأ بعد صمت المدافع، الموصل لم تعد مدينة كي تضمد جراحاتها، ولا نسيج مجتمعها الناعم صمد أمام ضراوة التدمير ليقوم بالرعاية والكفالة، كما فعل وأبدع بعد الاحتلال الأميركي وسقوط الدولة في 2003

وبالعودة إلى متلازمة (الأمن والنزاهة وإعادة البناء)؛ نجد أن الموصل بحاجة إلى كسر المعادلة المحلية المغلقة، وهي بحاجة إلى حماية دولية تشرف على خروج مليشيات الحكومة (التي ترتدي لباس الجيش والشرطة والحشد الشعبي وتوابعه) من المدينة وأطقمها السياسية، وصولاً إلى توفير الأمن وإزاحة الفساد وفتح الطريق أمام أهل التخصصات والخبرات من أبناء الموصل للشروع في عملية الإدارة النزيهة.

وعلى الهيئات الدولية أن تتولى الإشراف على تسلم المنح الدولية، وعلى استقطاع حصة الموصل من عوائد النفط في برنامج “النفط مقابل التعويضات”، وعلى تنفيذ مشاريع إعادة البناء التي يشترك فيه شباب المدينة، ويؤازرهم بالخبرات أبناؤها من أهل التخصصات في المهجر.

كما أن الموصل بحاجة إلى إدارة انتقالية تحت حماية الإشراف الدولي (يقرر مدتها المختصون)، يشكلها أهل التخصصات والخبرات ذات العلاقة بالأزمات التي ضربت المدينة (تعليم، اجتماع، موارد بشرية، صحة، هندسة).

على أن تكون عناصر هذه الإدارة من غير السياسيين ليتم بحث الخيارات والحلول بطريقة علمية وعملية وليس وفق حسابات السياسة. وهو دور استثنائي تمر به المجتمعات وينتهي باستعادة الدولة عافيتها واستئناف وظائفها الطبيعية، عبر انتخابات محلية لتحديد صيغة الحكم الإداري للمدينة.

من دون هذه العناية المركزة وعملية الإنعاش فإن حاضرة الموصل على طريق الموت، بل إنها قطعت أشواطاً عليه؛ فالنازحون في المخيمات هم في عداد الأموات -على صعيد المؤهلات البشرية والتعليم والأمل في الحياة- وإن أدرجتهم الحكومة على قوائم الأحياء، وبعضهم يعتبر الموت هو الحياة الحقيقية.

تدويل قضية الموصل
إعلان أهل مدينة مدينتهم “مدينة منكوبة” والمطالبة بتدويل قضيتها حق تكفله القوانين الدولية وله أسبابه المختلفة، وقضية الموصل تمثل السبب الأقوى وهو الذي تكون فيه الحكومة مصدر خطر على الشعب، وهي المتسببة في نكبته؛ كما في
كوسوفو والبوسنة. وتتحمل حكومة بغداد في هذه الحالة ملفين قضائيين وليس واحداً: ملف تسليم الموصل إلى داعش ثم ملف تدميرها.

إن “داعش” اسم لعلامة تجارية جديدة أما البضاعة فقديمة: الغلو، وتبقى طريقة فهمها قديمة لا تتغير. ومن ذلك أن الحواضر التي هي محضن لمعاهد العلوم وملتقى الحكماء ومجالس الثقافة ليست منبتاً طبيعياً للغلو، الذي يقتضي -كي يولد ويترعرع ويشتد ساعده- غيابَ المعرفة ليتبوأ أنصافُ المتعلمين والأحداثُ أدوارَ الحكماء.

كانت الموصل -عبر التاريخ وحتى عقود قليلة خلت- تزخر بالمدارس العلمية التي كانت توجد في كل حي من أحيائها، كما هو حال حواضر المنطقة الأخرى كحلب ودمشق، وكانت تقوم على هذه المدارس منظومة أهلية من أسر الموصل الأصيلة والعريقة.

خسرت الموصل كثيراً من خصائصها الاجتماعية بتعطيل مجتمعها المدني، وتفاقمت الخسارة بشكل خطير منذ 2003 عندما استولت المؤسسات الطائفية التابعة للحكومة على إدارة المدينة، وبلغ التفاقم ذروته حين اعتبرت الحكومة تدمير المدينة عنواناً للتحرير وعيداً وطنياً

وهذه المدارس كانت هي المسؤولة عن تكوين شخصية المدينة من خلال العلماء والأدباء الذين تنجبهم، ويقلد المجتمع قاماتهم الاجتماعية وسمتهم الديني والفقهي والأدبي والسلوكي ويتعصب لرأيهم، حتى كانوا له حصانة لا شعورية مقابل أي قادم من الخارج، وهذا هو تعريف المجتمع المدني في الموصل.

عُرف المجتمع الموصلي -في محيطه الواسع- بتمسكه بالدين، وتداخل قيم الدين مع العادات والطباع وتحولها إلى مفاهيم حياتية؛ فهي عمرانية في طراز البيوت واجتماعية عند التعايش مع الأقليات من أتباع الديانات الأخرى، التي يعتبرها الموصلي مكملة للنسيج الاجتماعي لمدينته، ويعتبر المس بحقوقها مساسا بسيادته وقوامته الاجتماعية، ولأهل الموصل حكايات يتناقلونها عن دور علماء مدينتهم وعمداء أسرهم في إثراء هذا السلوك، وليس ذلك في الوسط المتدين فقط.

خسرت الموصل كثيراً من خصائصها الاجتماعية بتعطيل مجتمعها المدني، وتفاقمت الخسارة بشكل خطير منذ 2003 عندما استولت المؤسسات الطائفية التابعة للحكومة على إدارة المدينة، وبلغ التفاقم ذروته حين اعتبرت الحكومة تدمير المدينة عنواناً للتحرير وعيداً وطنياً.

التعطيل الاجتماعي لحاضرة الموصل يصبح حقيقة علمية عندما يتحدث عنها علماء اجتماع من غير العرب ومن غير المسلمين، بقولهم: إن الإسلام في الموصل هو الوجه الآخر للحياة الاجتماعية أكثر من كونه مفهوماً فكرياً.

وإن هذه المدينة -التي اتخذت من مفاهيم الإسلام نظاماً للتعايش الاجتماعي والديني- أصابها العطب منذ سنوات طويلة، وتوقفت عن العمل كحاضرة منذ عُطّل نظامها الاجتماعي وحرمت من خصائصها الاجتماعية، وفُسح المجال لأنظمة اجتماعية ومذهبية لتحل محلها.

الموصل حاضرة تعرف كيف تعيش ومجتمع لا يعطي ولاءه لقادم من الخارج بسهولة أياً كان شكله، واستعادة مجتمعها المدني للمبادرة عن طريق تدويل قضيتها غلق للباب أمام كل دخيل على شخصيتها.

[ad_2]

لینک منبع

الأزمة الخليجية.. استمرار مع وقف التصعيد

[ad_1]

فشل وخلاف أميركي
مستقبل الأزمة وتأثيراتها 

لم تنته أزمة الخليج بعدُ، ولا يبدو أن هناك شيئا يلوح في الأفق لحلها في وقت تتمادى فيه دول الحصار في مواقفها، ويعود وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خاوي الوفاض من جولته في المنطقة. إلا أن الأزمة شهدت في الأيام القليلة الماضية توقفا في التصعيد من قبل دول الحصار ضد قطر التي ردت على مطالبها بالرفض، دون أن تغلق باب الحوار والتفاوض للوصول إلى حل للأزمة.

فبعد تشجيعه دول الحصار؛ طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من هذه الدول التوقف عن التصعيد عبر مكالمته مع رئيس نظام الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي قُبيل انعقاد المؤتمر الصحفي لهذه الدول بالقاهرة، مما أدى لظهور وزراء خارجية هذه الدول بحالة مزرية ومرتبكة! صحيح أن مضمون المحادثة لم يُعلن، ولكن ردة فعل وزراء دول الحصار أكدت أن ترمب أمر بوقف التصعيد دون أن يدفع لإنهاء الأزمة.

والسبب في ذلك أن حملة الحصار لم تؤت أكلها، ولم تتمكن من إخضاع قطر أو التأثير في خياراتها السياسية التي مضت فيها بعيدا عن دول الحصار، باتجاه القرب من خيارات الشعوب وأمانيها التي سُحقت بالثورات المضادة، التي خططت لها دول الحصار خوفا من امتداد هذه الثورات لتطال كراسي هؤلاء وتزعزع عروشهم.

فشل وخلاف أميركي
كما أن ترمب -على ما يبدو- لم يشفِ غليله بعدُ من قطر التي رفضت -لأسباب استثمارية بحتة- الدخول في شراكات تجارية غير مربحة معه ومع زوج ابنته جاريد كوشنر، وذلك قبل وصول ترمب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

حملة الحصار لم تؤت أكلها، ولم تتمكن من إخضاع قطر أو التأثير في خياراتها السياسية التي مضت فيها بعيدا عن دول الحصار، باتجاه القرب من خيارات الشعوب وأمانيها التي سُحقت بالثورات المضادة، التي خططت لها دول الحصار خوفا من امتداد هذه الثورات لتطال كراسي هؤلاء وتزعزع عروشهم

وعلى هذا الأساس لم تتوافر العوامل الكافية لنجاح مهمة وزير الخارجية الأميركية تيلرسون الذي انتهت جولته المكوكية بين دول الخليج إلى الفشل، بسبب نقص الإجماع الذي يُفترض أن يتوافر لدى الإدارة الأميركية لحل الأزمة. فترمب لا يزال عند موقفه المؤيد للسعودية على حساب قطر!

وإضافة لذلك، يبدو أن ترمب يريد أن تنتهي الأزمة فقط بعد انتزاع تمويلات مالية إضافية لواشنطن من كلا الطرفين المتنازعين. وفي المقابل؛ تضغط على الموقف الأميركي رغبته في استجماع القوة للمواجهة المقبلة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الرقة بعد النجاح الذي تحقق في الموصل.

وتعتبر القاعدة العسكرية الأميركية في العديد بقطر الأداة الأكثر فعالية في توجيه العمليات العسكرية الجوية ضد تنظيم الدولة، وبدون شك فإن استمرار الخلافات في المنطقة يشتت جهود استهداف التنظيم فيها، وذلك حسبما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية.

إلا أن استمرار الأزمة وتداعياتها لن يكون بلا ثمن بالنسبة لواشنطن ودول الحصار؛ فقد دخلت تركيا على خط الأزمة بدعم الموقف القطري وإرسال خمسة آلاف جندي بكامل عتادهم إلى قطر تطبيقا للاتفاقية الدفاعية بين الطرفين، الأمر الذي أنهى إمكانية التحرك العسكري لدول الحصار.

كما وقفت إيران مع قطر وساعدتها في فك الحصار بتوريد السلع وفتح الموانئ البحرية لتوريد البضائع إليها، فضلا عن إشارات متعددة أرسلتها طهران بأنها لن تسمح بأي وجود للسعودية في المنطقة القريبة من حدودها. وفوق هذا وذاك؛ فإن طهران تسللت عبر الأزمات لتساهم في تفكيك التحالف الخليجي ضدها، وإضعاف مساعي السعودية لمواجهة نفوذها في المنطقة.

كما دخلت ألمانيا ومن بعدها بريطانيا وفرنسا على خط الأزمة، فأعلنتا دعمهما للوساطة الكويتية التي لم تؤت ثمارها حتى الآن. وساهم ذلك في إضعاف الدور الأميركي بهذه المنطقة الحساسة، وهذا ما لم تكن ترتجيه واشنطن بسبب دور ترمب غير الموزون، وهو ما يهدد بتعاظم نفوذ هذه الدول على حساب النفوذ الأميركي عاجلا أو آجلا.

وقد ساهم الدور الأميركي المتهور والمرتبط بأحقاد شخصية لترمب، والصمود القطري في وجه المطالب غير المنطقية من دول الحصار، في فشل الحصار في تحقيق مآرب ليست لها علاقة بالإرهاب.

كما كشفت الأزمة أن مخاوف السعودية والإمارات من إيران لا تشكل أولوية لهما بالقدر الذي تنشغلان فيه بالحفاظ على أنظمتهما الحاكمة، والخوف من الثورات الشعبية والإسلاميين الذين يشكلون تحديا لهما!

مستقبل الأزمة وتأثيراتها
فيما أفرزته الأزمة أن دول الحصار أغفلت القدرات المالية والتنظيمية للقيادة القطرية التي كانت قد استعدت جيدا لمثل هذه الأزمة، من خلال تخزين الأساسيات واللجوء إلى الأسواق البديلة في تأمين النقص الناتج عن إغلاق الحدود مع السعودية.

الأزمة الخليجية لا تتجه إلى حل قريب طالما أن الإدارة الأميركية لا تبد تصميما واضحا على إنهائها، ما لم ينته الأمر باستقالة ترمب على خلفية التهم الموجهة إليه في إطار قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية

وفوق هذا، لعبت الدبلوماسية النشطة دورا مهما في تعزيز موقف الدوحة والدفاع عنه أمام اتهامات هلامية لا رصيد لها من الواقع. بل انتقلت قطر من موقف الدفاع إلى الهجوم بتوقيعها اتفاقية مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب، ودعت بقية دول الخليج للتوقيع عليها في التفاف واضح على مطالب المحاصرين!!

كما لجأت إلى المؤسسات الدولية لتجريم الحصار والعمل على فكّه لأنه مخالف لحقوق الإنسان وغير قانوني. وغدا مطلب إغلاق الجزيرة مرفوضا دوليا لأنه اعتداء على حرية الصحافة وحرية الرأي، مما دفع بالإمارات إلى التراجع عن هذا المطلب واكتفائها بطلب مراقبة برامج الجزيرة!

كما أن وسائل الإعلام القطرية ركزت -في لفتة ذكية- هجومها على الإمارات ودورها في اليمن ضد أهداف التحالف العربي، محاولة بذلك فك عُرى التحالف السعودي/الإماراتي والتشكيك في أهداف الإمارات ودورها في التحالف العربي. وبالنسبة لمصر، فقد تجاهلتها القيادة القطرية منذ البداية باعتبارها تشن منذ فترة هجوما على الدوحة دون أن تجد لها آذانا صاغية.

وهكذا تقدم الدور القطري على المحاصرين ليلاحقهم ويطاردهم ويحاصرهم أمام العالم، في تحرك ممنهج لم تصمد أمامه مطالب هشة وغير منظمة، ولا تحظى بالقبول الدولي وليس عليها أي دليل.

يشير ما سبق إلى أن الأزمة الخليجية لا تتجه إلى حل قريب طالما أن الإدارة الأميركية لا تبد تصميما واضحا على إنهائها، ما لم ينته الأمر باستقالة ترمب على خلفية التهم الموجهة إليه في إطار قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وتضغط التطورات -التي تشي بتعزيز موقع إيران وزيادة التدخل الأوروبي- باتجاه ضرورة إعادة الإدارة الأميركية النظر في موقفها الذي يتكشف عن خسائر مستمرة بالمنطقة.

ولعل النجاح الوحيد الذي حققته هذه الإدارة هو وقف تصعيد الدول المحاصرة لقطر، وفتح باب التفاوض للوصول إلى حل للأزمة، بما يسمح للمحاصِرين بالنزول عن الشجرة التي ارتقوها، ويحفظ بالتالي ماء وجوههم في أي تسوية قادمة.

التصعيد ضد قطر سيؤثر على برنامج مكافحة الإرهاب والعلاقات مع بقية الدول، حيث يرجح أن تتخذ قطر وسلطنة عُمان والكويت خياراتها المستقلة بعيدا عن السعودية التي ستجد أنها أضعفت موقفها في المنطقة، بحيث لم تصبح قائدة في مجلس التعاون الخليجي

ولا تبدو قطر مستعجلة لحل الأزمة؛ إذ أعلنت أنها جاهزة للتعامل معها حتى ولو استمرت مدى الحياة. وتجري الآن حالة من عض الأصابع بين الطرفين لا تبدو فيها قطر بحاجة إلى أن تصرخ أولا، وهذا ما بدأت تدركه الدول المحاصرة.

إلا أن التأثير الأهم للأزمة هو فقدان الثقة بين المحاصرين وقطر، حتى ولو تمت تسوية بينهما بوساطة كويتية أو بغيرها. كما أن هذه الأزمة سيكون لها ما بعدها، وستؤدي إلى خسائر على مستوى الثقة حتى بين الشعوب، وسيكون لها تأثير سلبي على وحدة مجلس التعاون الخليجي.

وتعمل قطر على تنمية خياراتها الاقتصادية الذاتية بشكل جدي وغير مسبوق، وقد يؤدي ذلك إلى فراق اقتصادي، فضلا عن التأثيرات الاجتماعية السلبية بين هذه البلدان، والتي تتحمل الدول المحاصِرة مسؤوليته.

ولذلك، فإن التصعيد ضد قطر سيؤثر على برنامج مكافحة الإرهاب والعلاقات مع بقية الدول، حيث يرجح أن تتخذ قطر وسلطنة عُمان والكويت خياراتها المستقلة بعيدا عن السعودية التي ستجد أنها أضعفت موقفها في المنطقة، بحيث لم تصبح قائدة في مجلس التعاون الخليجي.

وسيغري ذلك الولايات المتحدة بالمزيد من الضغط على دول المنطقة لوقف برامج التعليم المستندة إلى الوهابية ومواجهة الإرهاب بطريقة أشد، في ظل عدم تطابق أهداف الرياض مع أبو ظبي التي تعمل أصلا وفق خياراتها الذاتية في كل من اليمن وليبيا وغيرها!

[ad_2]

لینک منبع

أزمة اليمن.. السياق الراهن والحل السعودي الإماراتي

[ad_1]

رهان عودة نظام صالح
الإمارات وصناعة الحشد الجنوبي 

في مطلع الشهر الجاري أوردت نشرية “إنتلجنس أون لاين” الفرنسية خبرًا يقول إن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد يدفع نحو الإطاحة بالرئيس اليمني عبد ربه هادي، وإن اللواء أحمد عسيري (نائب رئيس المخابرات العامة السعودية) ذهب إلى الإمارات للقاء نجل صالح والتباحث معه.

ما تهمنا مناقشته في هذا الموضوع أمران: إمكانيّة رجوع أحمد علي صالح (نجل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح) للعب دور في السياسة اليمنيّة، وأسباب دعم الإمارات أولًا والسعودية ثانيًا لهذه العودة، ومدى سلامة الافتراض القائل إن عودة نجل صالح ستسرع إنهاء الاقتتال والانتقال إلى مرحلة مستقرة في اليمن.

رهان عودة نظام صالح
في الداخل اليمني عوامل تسهّل دفع السعودية والإمارات لاعتبار عودة نجل صالح أحد مكونات الحل السياسي. منها أولًا، أن قوات الحرس الجمهوري -وهو القطاع الأحدث تسليحًا في القوات اليمنيّة والأفضل تدريبًا- تتضمن عقيدته العسكريّة ولاءً لشخص أحمد ووالده علي.

ورغم أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب -من الجانب المادي- كان علي صالح بوصف قواته جيشًا نظاميًا لديه كوادر مدربة وقواعد ومعسكرات وعتاد ثقيل؛ فإن هذه القوات بقيت تقاتل على أكثر من جبهة ولا يزال عتادها وافرًا. وهذا العامل يشكّل ضمانًا للسعودية والإمارات باستقرار الأوضاع الأمنية في الشمال تجنبًا لتكاليف التعامل مع الفوضى التي جربتها هاتان الدولتان في الجنوب.

كما يشكل ضمانًا بمقدرة هذه القوات -في حال التوافق مع نجل صالح- على إعادة الحركة الحوثيّة إلى حجمها الطبيعي، كمليشيا طائفية تجيد حرب العصابات وليس أكثر من ذلك. وبهذا تُوكل لهذه القوات مهمة الحد من خطر الحوثيين، والتحقيق الجزئي لهدف السعودية الذي فشلت حربها في تحقيقه.

هذا بالإضافة إلى وجود قواعد اجتماعيّة داعمة لصالح ونجله ممثلة في حزب المؤتمر الشعبي العام، مع فشل الرئيس هادي في شق القواعد الاجتماعية للحزب لأسباب كثيرة، منها تطابق الحزب مع شخص علي صالح وأسرته في وعي قواعده، والفشل الذريع لهادي وحكومته منذ 2012 في تقديم نموذج أفضل في إدارة الدولة وتفاصيل الحياة اليومية للناس وفي الخطاب السياسي.

هذا رغم نجاحه النسبي في سحب بعض القيادات السياسية المهمة في الحزب، وكلهم من رجالات صالح وأعوانه. وهكذا فإن المؤتمر الشعبي وولاءه لصالح ونجله يدفع قيادتيْ السعودية والإمارات إلى الاعتقاد بأن عودة أحمد علي -إذا تم تكييفها بوسائل قانونيّة صوريّة- سيكون لها سند اجتماعي يضمن استقرار السلطة والداخل.

العامل الثالث هو الجانب القبلي؛ فالأنظمة الخليجية خاصة -وكثير من الدول العربيّة عمومًا- لا تزال تتعامل مع المجتمعات العربيّة باعتبارها تجمعًا للعشائر والقبائل، ومنذ منشأ الدول الخليجية كان البعد العشائري مكوِّنًا للسلطة وتوازناتها. وبعد الطفرة النفطية ظلت الأسر الحاكمة تراهن على دور العشائر في تكريس الاستقرار الاجتماعي واستمرار السلطة السياسية، رغم اختلال التوازن لصالح هذه الأسر.

من المعروف لجميع المتابعين للشأن اليمني أن السعودية كانت -منذ اندلاع ثورة سبتمبر/أيلول 1962- تركز على استمالة مشايخ القبائل في شمال اليمن، كمدخل لتأمين حدودها واختراق المجتمع باعتبار أن النظام في اليمن نظام عصبوي يرتكز على القبليّة لتأمين نفسه، وكانت تدعم بأموال طائلة -عبر ما يُعرف باللجنة الخاصة- مشايخ القبائل وليس فقط قادة الأحزاب ومسؤولي الدولة الكبار.

الخاسر الأكبر في هذه الحرب -من الجانب المادي- كان علي صالح بوصف قواته جيشًا نظاميًا لديه كوادر مدربة وقواعد ومعسكرات وعتاد ثقيل؛ فإن هذه القوات بقيت تقاتل على أكثر من جبهة ولا يزال عتادها وافرًا. وهذا العامل يشكّل ضمانًا للسعودية والإمارات باستقرار الأوضاع الأمنية في الشمال تجنبًا لتكاليف التعامل مع الفوضى

ترى السعودية حاليًا أنها فشلت في إنتاج أو إعادة تدوير أي قيادة يمنيّة تحظى بدعم قبلي شمالي، هذا علاوة على أن الرئيس هادي ليس من المنطقة الشماليّة ابتداءً، وهو لا يحظى بأي دعم قبلي حقيقي في منطقة “أبين” التي يتحدر منها.

بالإضافة إلى كل هذا؛ هناك عاملان أخيران يجعلان أي حل يقود إلى إنهاء الحرب ممكن الطرح، ولا يُتوقع أن يقابَل برفض اجتماعي يمني عارم: الأول، هو أن القيادات السياسية والعسكريّة اليمنية -التي بإمكانها التعبير عن المعارضة المنظمة والرفض لأي طرح- قد رمت كل أوراقها منذ أول يوم من الحرب في يد النظام السعودي، وهذا عمومًا خلل عام في الثقافة السياسية اليمنيّة وله جذور تحتاج استقصاءً مستقلًا.

والثاني هو الحالة المزرية التي وصلت إليها شروط حياة المواطن اليمني: انقطاع لرواتب الموظفين، ومجاعة تطل برأسها في كل مكان، وانقطاع تام للكهرباء، وانتشار وباء الكوليرا، وغيابُ الحد الأدنى من مؤسسات الدولة، وتحكمُ المليشيات المختلفة في الحياة اليوميّة للناس شمالًا وجنوبًا وما يتبع ذلك من انتشار للجرائم. وهذان العاملان يضمنان للقيادتين السعودية والإماراتيّة قبولًا مفتوحًا (دوليًا ويمنيًا) بأي حل لإنهاء الحرب.

ما تغفله قيادتا الدولتين في هذا الأمر هو المجتمع اليمني كتطلعات اجتماعية وطبيعة السلطة في اليمن. في رأينا، عودة نجل صالح أمر مرجح وتتضاعف احتماليّته مع الوقت، وقد تكون هذه العودة ضمن مركّب من الشروط والخطوات بداية بإنهاء الحرب وتأمين الحدود الجنوبية للسعودية على المدى القصير.

ولكن اليمن -كمجتمع وسلطة- لن يستقر بسياسات كهذه، لأن منشأ الحرب كان نتاج عرقلة وفشل الثورة في السيطرة على الدولة، أي أن منبع الإشكال كان في شكل الدولة وبنية النظام وتعامل السعودية مع الواقع اليمني. وعليه؛ فإن عودة أحمد علي قد تنهي واحدًا من مظاهر الإشكال اليمني جزئيًا وهو الحرب، ولكنها ستفاقم الإشكال نفسه وستبذر بذور حروب كثيرة قادمة.

من جانب آخر، هناك المشكلة المؤرقة لكل مشاريع الخارج والداخل، وهي محافظة تعز التي لا يتم وضعها في الحسبان، وكأنها مشكلة ستُحل ذاتيًا بمجرد أن تحل السعودية خلافها مع تحالف صالح والحوثي، وهذا أمر مستبعد لاعتبارات عديدة ومتشابكة. كما أن اليمن عمومًا -رغم تخلفه الاقتصادي الشديد- يتميز بحيويّة مجتمعه السياسي، وتعدد الأقطاب الاجتماعية الصلبة فيه (مثل القبائل والحركة الحوثيّة كمليشيا طائفيّة).

وبالتالي فالدولة اليمنيّة بعد 2011 لا يمكن أن تدار على المدى المتوسط، وستستمر في حالة استقرار منتِـج بدون حل جذري للمشاكل الاقتصادية والسياسية. وهذا ما يغيب عن وعي السياسة العربيّة الرسميّة عمومًا، الذي يفضل التعامل مع الظواهر وليس الجذور.

وهكذا نجد السعودية تصدر قوانين ولوائح تقوم بإفقار المغتربين اليمنيين فيها وتدمير رواتبهم، وهم الذين تشكل تحويلاتهم آخر مصدر إعاشة متبقٍ للعائلات في اليمن، وذلك في نفس الوقت الذي يتم فيه البحث عن حل سياسي يوقف الحرب!

الإمارات وصناعة الحشد الجنوبي
يمثل جنوب اليمن أهميّة قصوى في الإستراتيجيّة الإماراتيّة الخاصة بنفوذها البحري، وهذا على خلاف السعوديّة التي ترى التهديد الأكبر في شمال اليمن بسبب الحدود الطويلة معه.

النفوذ البحري والسيطرة على الموانئ يفسر كثيرًا من خطوات وسياسات الإمارات بعد الحرب وقبلها؛ فالتفاهم العالي مع نظام علي صالح قادم من خدمة الأخير للمصالح الإماراتيّة بوضوح على حساب المصالح اليمنيّة حينما أجّر النظام ميناء عدن رسميًا لشركة موانئ دبي العالميّة عام 2008، في واحدة من كبريات قضايا الفساد في تاريخ الدولة اليمنيّة.

اشتركت الإمارات في الحملة العسكريّة عام 2015 لضمان السيطرة على موانئ الجنوب تحديدًا، ولهذا سحبت قواتها بسرعة من مأرب في الشمال بعد تلقيها ضربة صاروخيّة تسببت في مقتل العشرات من جنودها، بينما تدفع بكل ثقلها في الجنوب اليمني للسيطرة التامة عليه، وشاركت بقوة في السيطرة على ميناء المخا التابع لمحافظة تعز.

اشتركت الإمارات في الحملة العسكريّة عام 2015 لضمان السيطرة على موانئ الجنوب تحديدًا، ولهذا سحبت قواتها بسرعة من مأرب في الشمال بعد تلقيها ضربة صاروخيّة تسببت في مقتل العشرات من جنودها، بينما تدفع بكل ثقلها في الجنوب اليمني للسيطرة التامة عليه، وشاركت بقوة في السيطرة على ميناء المخا التابع لمحافظة تعز

بعد طرد قوات صالح والحوثي من عدن في يوليو/تموز 2015؛ وجدت الإمارات نفسها في منطقة جغرافيّة تختلف جزئيًا عن الشمال، في طبيعة تحالفاتها الاجتماعية وانتشار النزعات الجهوية والقبلية، مع تراكم لأزمات تاريخيّة تخص الريف والمدينة ووجود قوى سياسية انفصالية تتصارع فيما بينها، وظهور جماعات إسلامية مسلحة، مثل تنظيم القاعدة في قلب المحافظات الجنوبية الكبرى (عدن وحضرموت وأبين). 

نتيجة الرؤية الواضحة لما تريده في جنوب اليمن؛ بحثت الإمارات عن أطراف يمكنها تحقيق مصالحها في الجنوب فوجدت طرفين:

الطرف الأول يمثله قطاع من الحراك الجنوبي يتميز بتصورات شوفينيّة، وظل طوال سنوات غير قادر على إنجاز خطوات سياسية كبيرة، وذلك لتعدد مصادر الدعم الخارجي وخلافات قادته الذين يعدّ عيدروس الزبيدي من أهمهم، والخطوة الإضافية الخطيرة التي أنجزتها الإمارات أنها رجحت كفة هذا الطرف بحيث أصبح مركز جذبٍ لبقيّة أطراف الحراك الجنوبي. 

الطرف الآخر المطلوب كان طرفًا سلفيًا بدون سقف وطني، ولم يكن هذا الطرف سهل التشكيل على خلاف ما يُعتقد؛ لأن السلفية غير “الجهاديّة” في اليمن عمومًا تختلف فيما بينها اختلافات كبيرة في موقفها من الدولة والسياسة، ولدى بعضها تاريخ من العمل الجمعياتي وكذلك من الصراع الكلامي البيني.

في جنوب اليمن بعض الدُّور العلميّة التابعة للسلفيّة، ولكن الطرفين السلفيَين المهمَين وغير “الجهاديين” هما “جمعيّة الإحسان الخيريّة” ثم “حركة النهضة السلفيّة في الجنوب”، وهذه الأخيرة تحديدًا تمتاز بمواقف ورؤى سياسية متقدمة كثيرًا عن بقية القوى السلفيّة، بل إن موقفها من مسألة الانفصال أكثر عقلانيّة من مواقف جزء كبير من الحراك الجنوبي.

وهكذا فإن ما قامت به الإمارات هو صنع طرفٍ سلفيٍ جديدٍ بقيادة هاني بن بريك -وهو أحد تلاميذ الشيخ مقبل الوادعي-  بمواصفات خاصة، تقطع مع الإرث السلفي غير “الجهادي” المتراكم في الجنوب منذ بداية تسعينيّات القرن الماضي. وأهميّة هذا الطرف للإمارات تقارب أهميّة قوات الحشد الشعبي للإستراتيجية الإيرانيّة في العراق.

فـ”قوات الحزام الأمني” بقيادة بن بريك تقاتل القاعدة وبقية التنظيمات المسلحة، ولها تصورات عن المجتمع لا تختلف مطلقًا عن تصورات القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلاميّة، وهي تتبع مباشرة القيادة الإماراتيّة.

مكاسب الإمارات أمنيًا كبيرة من هذه السياسة على المدى القصير؛ فبالإضافة إلى محاربة طرف خطير مثل القاعدة وبأقل التكاليف الممكنة، تحصل على الدعم الأميركي لهذه القوات المتشددة والطائفية لأنها تشارك في “محاربة الإرهاب”، ويتم التغاضي عن بقية ممارساتها مثل الاعتقالات والإخفاء القسري والتعذيب والاغتيالات. وهذا يعني أن الإمارات قد سلمت مدينة عدن لهذا التيار السلفي في مقابل تبعيّته التامة لسياساتها. 

ذروة التقاء هذين الطرفين (الزبيدي وبن بريك) عند الإمارات هو تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، ويبدو أنه في حُمّى السعي لنيل الإعجاب والثقة يتنافس كل من الطرفين في استعارة خطاب وممارسات الآخر للتقرّب أكثر من القيادة الإماراتيّة، وكانت النتيجة النهائية لها التنافس ظهور حراك انفصالي طائفي وسلفيّة انفصاليّة متطرّفة.

تراهن الإمارات على هذا المجلس الانتقالي وتدعمه أمنيًا وعسكريًا. وفي موضوع الرئيس هادي؛ يلتقي دعم المجلس مع دعم عودة نجل صالح، فعودة الأخير إذا حدثت ستكون حلًا لمشكلة الإمارات مع الرئيس هادي الذي لا يتوافق مع سياسات الإمارات في الجنوب وتعتبره ورقة سعودية

تراهن الإمارات على هذا المجلس الانتقالي وتدعمه أمنيًا وعسكريًا. وفي موضوع الرئيس هادي؛ يلتقي دعم المجلس مع دعم عودة نجل صالح، فعودة الأخير إذا حدثت ستكون حلًا لمشكلة الإمارات مع الرئيس هادي الذي لا يتوافق مع سياسات الإمارات في الجنوب وتعتبره ورقة سعودية. ولهذا فهي تحاول بشتى الطرق القضاء على أي ظهور سياسي لهادي وتدعم إطاحته عبر نجل صالح، كما تدعم ذهاب المجلس نحو صدام مباشر مع حكومة هادي.

نتوقع أنه في حال عودة نجل صالح سيتم التوافق معه بشأن ملفات متشابكة ولكن ليس من بينها الجنوب؛ فهذه مسألة إستراتيجيّة في رأينا بالنسبة للإمارات، ولهذا فهي ستكون خارجة عن أي نقاش باستثناء الأمور الرسميّة والشكليّات. وزيارة أطراف من الحراك الجنوبي لنجل صالح في الإمارات -كما أفادت به الأخبار- تأتي في إطار تشكيل ومناقشة هذه الأمور الرسميّة، لضمان عودة سلسة لنجل صالح تظهره شخصية تحظى بـ”إجماع كل الأطراف”.

مشكلة هذا التصور الإماراتي أنه يتعامى عن طبيعة المجتمع في الجنوب ومراكز القوة فيه؛ فهناك نزعات جهويّة طاغيّة في هذه المنطقة التي تحمل تاريخ سلطناتٍ مضفورًا بتاريخ سياسات دولة شيوعيّة ونتائجها الاجتماعيّة، وتاريخ من التوتر المناطقي.

هذا إضافة إلى المساحة الجغرافية الكبيرة نسبيًا، ووجود قوي ومتجذر للتنظيمات المسلحة فيها منذ سنوات طويلة، ولا تمكن مواجهتها بدون حلول اجتماعية وسياسيّة لها سقف وطني وتنجزها دولة مواطنين.

وبالتالي فسطوة الإمارات في الجنوب لا يقدر لها البقاء على المدى الطويل، خاصة في ظل سياساتها الأمنية القمعيّة المستفزة للمجتمع، وستخلف نتائج سياساتها هذه كثيرًا من الكوارث الاجتماعيّة التي تهدد شكل المجتمع اليمني ووجود الدولة من الأساس.

[ad_2]

لینک منبع

أزمة الخليج.. ضوضاء بلا مضمون

[ad_1]

ضوضاء فارغة
فشل الحصار
مطالب سخيفة
 

بما أنني كاتب فلسطيني؛ أقول بداية إننا تعلمنا عبر السنوات ألا نكون طرفا في أي صراع عربي بيني أو داخلي، وثبت أننا نتورط كلما تدخلنا في شؤون غيرنا، أو ناصرنا طرفا ضد طرف في الصراعات العربية، ولسان حالنا الآن يقول إنه إذا كان بإمكاننا إصلاح ذات البين فعلينا أن نفعل، وإلا فلنبقَ خارج الصورة.

ما يهمنا هو مصلحة المواطن العربي، ونحن يجب أن نكون هناك إن تعلقت الجهود بمصلحة المواطن واستقرار أوضاعه وأمنه. وعليه؛ فإن هذا المقال لا يعني الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وإنما يشكل قراءة لأزمة لا يحتاجها الخليج ولا تحتاجها الأمة العربية.

ضوضاء فارغة
منذ أن أقدمت دول خليجية ومصر على قطع علاقاتها مع قطر وحصارها جوا وبرا وبحرا، والقنوات ومختلف وسائل الإعلام لا تنفك عن تقديم سيل من الأخبار حول تطورات الأوضاع في الخليج، وحول التصريحات والمواقف الصادرة عن الدول المعنية مباشرة، وتلك البعيدة الصلة.

تقريبا هناك أخبار عن الأزمة في كل نشرة أخبار على مختلف القنوات. لكن الأهم هو أن القنوات ووسائل الإعلام العربية عموما انقسمت بانقسام المواقف الخليجية، فمنهم من أخذ جانب السعودية وأخذ يدافع عنه، وهناك -وهم الأقلية- من انحاز لقطر وأخذ يدافع عن مواقفها ويهاجم الطرف الآخر. طبعا الأقلية لقطر بسبب قلة القنوات التابعة لها.

في كل هذه الضجة والضوضاء الخليجية لم أفهم -وأظن أن كثيرين غيري لم يفهموا- لماذا هذا التطور المفاجئ في الخليج؟ عادة نسمع لقطع العلاقات الديبلوماسية بين الدول بعض المقدمات، وتتوتر الأوضاع، وتكال التهم وبعد ذلك يتم اتخاذ إجراءات

والملاحظ أن المنهجية العلمية والتغطية الإعلامية المهنية غابتا عن القنوات الفضائية، وبالتالي غابت الحقيقة إلى حد كبير. أغلب ما يتردد على مسامعنا من تعليقات وتصريحات وتحليلات يدخل ضمن إطار المناكفات، وليس ضمن بث الوعي والمعرفة.

وما يدور الآن من نشاط إعلامي على مستوى الخليج يذكّرنا بذلك النشاط الإعلامي العربي الذي ساد في مرحلة الخمسينيات والستينيات، والذي كان مجرد أفواه كبيرة تدافع عن هذا الموقف وتدين ذاك.

في كل هذه الضجة والضوضاء الخليجية لم أفهم -وأظن أن كثيرين غيري لم يفهموا- لماذا هذا التطور المفاجئ في الخليج؟ عادة نسمع لقطع العلاقات الديبلوماسية بين الدول بعض المقدمات، وتتوتر الأوضاع، وتكال التهم وبعد ذلك يتم اتخاذ إجراءات.

في حالة الخليج، نحن لم نر دخانا لنقول إن هناك نارا، وفجأة رأينا النار تشتعل والأعناق تشرئب، والألسنة تنطلق في الاتهامات والاتهامات المضادة؛ فلماذا هذا العمل المفاجئ؟ إذا كانت المسألة متعلقة بمطالب الدول الأربع فإن في ذلك مغالاة وتبريرا ضعيفا جدا للإجراءات المتخذة.

هل تعبّر المطالب المعلنة من الدول المشاركة في قطع العلاقات عن الحقيقة وأسباب الخلاف مع قطر، أم أن هناك ما هو أعمق وأكثر تأثيرا على هذه الدول؟ لم نسمع شيئا عن التنافس على القواعد الأميركية أو على العلاقات مع أميركا، ولم نسمع شيئا عن إستراتيجية الغاز القطرية ومدى تأثيرها على اقتصادات الدول المعنية.

ولم نر القوات القطرية تهدد وحدة الأراضي السعودية أو تتوعد باجتياح البحرين أو السيطرة على أبو ظبي. لم نر تطورا يهدد دولة بعينها، بل سمعنا -على مدى سنوات- عن تهم توجه لقطر من بعض الدول الخليجية ومصر. هل وجود يوسف القرضاوي في قطر يشكل عدوانا إسترتيجياً على الدول المقاطعة، وبالتالي لا بد أن تعمل على حفظ وجودها؟

ما يُروى الآن عن أسباب هذه الضوضاء غير مقنع بتاتا. ويبدو أن هناك من له مصلحة في إشعال مزيد من النيران في الساحة العربية، وإذا كان هناك من موجب جدّي لهذا الإجراء فإنه لن ينبلج إلا في النهايات.

فشل الحصار
تعتب الدول الأربع -في بيانها الأخير الصادر عن اجتماعها في
القاهرة- على قطر بأنها تخوض دبلوماسية مراهقين لأنها نشرت المطالب المطلوب منها تحقيقها. وعلى عكس ما ترى الدول الأربع؛ فإن قطر قامت بالعمل الصحيح، إذ إن نشر مطالب الأقوياء يشكل قوة للضعفاء.

يجب على الضعيف -مثلما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين- أن يجعل مطالب الأعداء الأقوياء علنية لكي يفضح نواياهم، وتهديداتهم. فالإعلان عن المطالب يشكل نداء إلى الرأي العام في كل أنحاء العالم، وصرخة للاطلاع على عنجهية القوي وصلفه وابتزازه.

لقد فعلت قطر الشيء الصحيح ولم تلتفت إلى قواعد التفاوض الغربية التي تصر دائما على سرية المواضيع، وسرية الأفكار المطروحة على طاولة المفاوضات. أهل الغرب هم الأقوياء وهم أصحاب الكلمة العليا، وهم الذين يهددون ويحاصرون ويحاربون ويقتلون، وهم دائما معنيون بإبقاء جدلياتهم الاستغلالية الاستعمارية تحت الطاولة حتى لا تلاحقهم الإدانات.

لقد سئم العرب إجراءات الحصار والعقوبات التي قامت بها دول غربية ضد دول عربية وإسلامية وفشلت، ويقول المثل العربي: الذي يجرب المجرّب عقله مخرّب. سيفشل الحصار على قطر وعلى اليمن وعلى غزة، والأفضل أن توقف الدول الأربع إجراءاتها الحصارية ببياض وجهها، ولا ضرورة أن تكسب عارا تاريخيا بأن عربا يحاصرون عربا

هكذا ضلل أهل الغرب الفلسطينيين وعلموهم فن سرية المفاوضات المزيف. وتحاول الدول الأربع مجاراة فن الدبلوماسية الغربية، ولا غرابة في أنها غاضبة بسبب نشر المطالب.

لقد سئم العرب إجراءات الحصار والعقوبات التي قامت بها دول غربية ضد دول عربية وإسلامية. لقد أعيانا أهلُ الغرب بإجراءاتهم القمعية وبحروبهم التي شنّوها على دول المنطقة. والحصار ليس موجها فقط ضد الحكومة أو النظام السياسي وإنما ضد الناس أولاً.

شعوبنا هي التي عانت من الحصار بصورة مذهلة، وهي التي تدفع الثمن وأمامنا مثل فلسطين ومثل اليمن. شعب غزة يعاني على مدى سنوات، وللأسف تشارك دولٌ عربية وجهاتٌ فلسطينية في حصارها وتلحق كبير الأذى بالناس. أما في اليمن، فتفتك الكوليرا بالناس ولا مجير ولا مغيث.

لقد انتقلت عدوى الحصار من دول الغرب إلى الدول العربية، وهذا في حد ذاته جريمة بحق الأمة العربية والمواطنين العرب. وهؤلاء العرب يحاصرون اليمن وقطر وقطاع غزة في الوقت الذي يتسابقون فيه للتطبيع مع الصهاينة، الذين يشكلون جوهر الإرهاب في المنطقة العربية. الصهاينة دولة محتلة، والاحتلال بالتعريف إرهاب.

سياسة الحصار مؤذية، لكنها حتى الآن لم تُجدِ نفعا ولم تحقق نجاحا. فشلت كل أنواع الحصار والعقوبات التي نفذتها دول غربية ضد العرب والمسلمين، واضطروا في النهاية أن يأتوا بجيوشهم لتحقيق ما فشلوا في تحقيقه بالحصار، وجيوشهم فشلت أيضا.

ثم أن الحصار إرهاب؛ إذا عدنا إلى التعريف الأميركي للإرهاب فإننا نلاحظ ربط الإرهاب باستعمال العنف ضد مدنيين لتحقيق مكاسب سياسية. والحصار عنف، وهو موجه ضد مدنيين عسى أن تدفعهم الضائقة إلى التمرد على الحكومة وقلبها وتشكيل واقع سياسي جديد.

يقول المثل العربي: الذي يجرب المجرّب عقله مخرّب. سيفشل الحصار على قطر وعلى اليمن وعلى غزة، والأفضل أن توقف الدول الأربع إجراءاتها الحصارية ببياض وجهها، ولا ضرورة أن تكسب عارا تاريخيا بأن عربا يحاصرون عربا.

مطالب سخيفة
اطلعت على مطالب
دول الخليج الثلاث ومصر ولم أجد فيها مطلبا واحدا ذا قيمة. هذه مطالب سخيفة إلى حد كبير، والمفروض أن تخجل الدول الأربع من نفسها.

فمثلا، تطالب الدول بوقف التعاون مع الإخوان المسلمين وطرد بعض قياداتهم من قطر. الأمم المتحدة لم تصنف جماعة الإخوان المسلمين على أنها إرهابية، وأجازت الدول لنفسها وصف من تشاء بالإرهاب وفق مزاجها الذاتي. هذا لا يجوز.

ثم من دعم الإخوان المسلمين في سوريا والعراق؟ ومن الذي يدعمهم الآن في اليمن؟ أليست هي الدول -عدا مصر- التي تتخذ إجراءات ضد قطر؟ كيف تجيز هذه الدول لنفسها المطالبة بطرد جماعة لم تخرج أبدا عن صنعها؟

أما طلب إبعاد القرضاوي فمثير للضحك والسخرية. القرضاوي صاحب رأي قد لا يعجبنا، لكن الرد عليه ليس بطرده أو قطع راتبه، وإنما بتقديم الحجج والأدلة لنقض رأيه. يجب أن تكون هناك مواجهة علمية مع القرضاوي وليس مواجهة مخابراتية.

هناك مطلب قديم جديد يتعلق بإغلاق شبكة الجزيرة. على ذات المنوال، لم يعد هناك في هذا العالم من يلاحق وسائل الإعلام والكتاب والمثقفين إلا العرب. والدول المطالِبة بإغلاق الجزيرة تمتلك عشرات القنوات الفضائية التي تبث أفكارا دعائية عن أنظمة عربية متخلفة، ولا أحد يطالب بإغلاقها

والدول الأربع لا يبدو أنها تمتلك القدرة العلمية على دحض أفكاره فتلجأ إلى التحريض والوعيد. هذا الأسلوب الظلامي قد ولّى وهو من مخلفات قرون الظلام الأوروبية، لكنه يبقى بقدسيته عند العرب.

وهناك مطلب قديم جديد يتعلق بإغلاق شبكة الجزيرة. على ذات المنوال، لم يعد هناك في هذا العالم من يلاحق وسائل الإعلام والكتاب والمثقفين إلا العرب. كثيرون انفضوا عن شاشة الجزيرة، لكن لا يزال لها جمهورها الواسع، والدول المطالِبة بإغلاقها تمتلك عشرات القنوات الفضائية التي تبث أفكارا دعائية عن أنظمة عربية متخلفة، ولا أحد يطالب بإغلاقها.

المفروض أننا في مرحلة الرأي والرأي الآخر، وعلينا أن نحترم هذه القاعدة حتى ولو لم تكن في صالحنا الآني. والمفروض أن يكون من يظن أنه على حق قادرا على إيصال رأي مقنع ومختلف إلى الناس. والسؤال: لماذا كانت الجزيرة جيدة وهي تساند المعارضة في سوريا والعراق وليبيا، وأصبحت الآن سيئة؟

حاولت قطر على مدى سنين التمدد ولعب أدوار هامة على الساحتين العربية والدولية. لقد لعبت أدوارا في تقريب وجهات النظر على الساحات الفلسطينية والسودانية واللبنانية والأفريقية، ونجحت أحيانا. وقد أعطتها جهودها زخما دبلوماسيا واسعا. وتمددت قطر في مساعداتها المالية لدول وتنظيمات، ومنها ما انعكس سلبا على البلاد.

وأخيرا انتزعت قطر المونديال لعام 2022 مما يجعلها أول دولة عربية قادرة على استيعاب هذا الحدث العالمي. وربما أثار هذا التمدد القطري بعض دول الجوار التي ترى في نفسها سيدة المحيط فعملت على العرقلة والإساءة. وفي تمددها، لم تحسب قطر لليوم الأسود. أيام الأفراد والدول ليست جميعها رغدا وهناء، ولا بد أن تمر أيام سود وصعبة.

قطر فتحت يدها المالية كثيرا، وأنفقت أموالا طائلة على استثمارات في الدول الغربية، وعلى إقامة البنية القادرة على استقبال المونديال، مما أثر على ميزانيتها واضطرها إلى تقليص النفقات الذي أثر على جزء من الموظفين. وكان من المفروض أن تحسب قطر ليوم تضيق فيه أسباب الحياة، لكنها انجرت مع دول خليجية أخرى نحو نشاطات لا تعود إلا بالضرر على الجميع.

[ad_2]

لینک منبع

النموذج اللبناني في التسويات الداخلية

[ad_1]

تجارب حفظ التوازن
اختلالات تتطلب المراجعة
جدل قانون النسبية
 

يتردّد بين حين وآخر -فيما يخصّ تجارب عربية- أن النموذج اللبناني نجح في إيجاد صيغة لتسوية داخلية تقوم على توازن المصالح بين الطوائف والفئات المختلفة؛ فهل حقاً نجح النموذج اللبناني؟ ثم هل يمكن القياس عليه على افتراض وجود شكل من التوافق بين الطوائف المختلفة على توزيع الامتيازات بينها؟

وهل فعلاً أن “الميثاق الوطني اللبناني” -الذي يشكو الكثير من اللبنانيين من تداعياته السلبية- هو نموذج يستحق الاقتداء به؟ أم هو تكريس للمحاصّة الطائفية التي قادت في الماضي إلى الاحتراب، والتوتر والاضطراب في الحاضر، لدرجة عطّلت الدولة اللبنانية عن القيام بوظائفها وواجباتها تجاه الوطن والمواطن إلى حدود غير قليلة، سواءً بالتهديد تارة والاستقواء بالخارج في مرّات كثيرة، ناهيك عن اللجوء إلى السلاح لحسم الخلاف؟

تجارب حفظ التوازن
إذا كان اتفاق الطائف عام 1989 قد وضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية -التي دامت نحو 15 عاماً وأدت إلى استنزاف طاقات البلاد وأجهزت على بنيته التحتية ودمّرت مرافقه ومنشآته الحيوية ومزّقت النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي- فإنه في الوقت نفسه وضع الدولة على برميل بارود لا يعرف أحد متى ينفجر، علماً بأن بعض بنوده الإيجابية المتعلّقة بالحدّ من الطائفية لم يتم تفعيلها، بل أهمِلت تماماً.

ولكن رغم كل النواقص والثغرات والعيوب التي احتواها اتفاق الطائف فإنه كان إقراراً بواقع أليم، حيث كرّست الدساتير اللبنانية صيغة المحاصّة الطائفية والمذهبية التمثيلية للجماعات والطوائف، في إطار نظام يقوم على التقاسم الوظيفي وقانون انتخابي يعيد إنتاج “أمراء” الطوائف ذاتها.

كانت التجربة العراقية -بعد غزو العراق عام 2003- أول من تأثر بالنموذج اللبناني، لا سيّما أن بعض “أمراء” الطوائف هم الأكثر استفادة منها، والعملية السياسية تم تصميمها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق بعد الاحتلال، وفيما بعد نظّمتها صيغة دستور نوح فيلدمان

وكانت المبرّرات التي تم الاتكاء عليها -ولا تزال  مستمرة- هي “حفظ التوازن” بين المسلمين والمسيحيين وتدريجياً بين “الطوائف” المختلفة، و”عدم الإخلال بصيغة التعايش” و”عدم الإضرار بالآخر” و”انتهاك حقوقه”، بحيث يعترف كلّ بحجمه ودوره.

ويقوم النظام بحفظ هذا الدور ويقرّ بحقوق الطوائف بعيداً عن الإلغاء أو سياسات الإقصاء أو التهميش، التي شهدتها أنظمة عربية أخرى تحت مسمّيات مختلفة. ولربما كان مثْلُ هذا التبرير أو الزعم هو ما يدفع بعض “التجارب” العربية لتحذو حذو النموذج اللبناني، سواء صرّحت بذلك أو لمّحت.

كانت التجربة العراقية -بعد غزو العراق عام 2003- أول من تأثر بالنموذج اللبناني، لا سيّما أن بعض “أمراء” الطوائف هم الأكثر استفادة منها، والعملية السياسية تم تصميمها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق بعد الاحتلال، وفيما بعد نظّمتها صيغة دستور نوح فيلدمان (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وتبعه الدستور الدائم لعام 2005).

كانت هذه الصيغة تقوم على أساس المحاصّة المذهبية الطائفية/الإثنية، حيث قام مجلس الحكم الانتقالي على تمثيل جديد قوامه منح ما يدعى الشيعة 13 مقعداً ومنح ما يسمى السنّة 5 مقاعد، وتحديد حصة الأكراد بخمسة مقاعد وحصة التركمان بمقعد واحد، والمقعد الأخير من الـ25 مقعداً هو مقعد الكلدوآشوريين، وهكذا اكتملت صيغة المشهد العراقي -ما بعد الاحتلال- بغياب من يدعي تمثيل العرب.

لكن النموذج العراقي سرعان ما وصل إلى طريق مسدود حتى دون المرور بحالة الاستعصاء التي وصلها النموذج اللبناني، فقد كان التصميم المقترح غير مطابق تماماً للحالة العراقية، بل إن البيئة السائدة كانت مضادة وسلبية، وشهدت البلاد بسببه أعمال عنف وإرهاب لا مثيل لها.

وكان من نتائجه شعور فئات بالحيف والظلم والتمييز، وهو ما وفّر تربة خصبة لانتشار فيروس الإرهاب والجماعات التكفيرية من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي احتل محافظة الموصل ونحو ثلث أراضي العراق، مستنفداً طاقات عراقية هائلة وأموالاً ضخمة لمواجهة معه دامت ثلاث سنوات.

اختلالات تتطلب المراجعة
لقد عانى الموديل اللبناني من إشكالات جوهرية واختلالات بنيوية منذ البداية، لتعارضه مع المفهوم العصري والدستوري لمبدأ المواطنة، التي تقوم على اتحاد أفراد أحرار لهم نفس الحقوق والواجبات المكفولة بموجب القانون والمثبتة في الدستور.

وأسس مبادئ المواطنة هي: الحرية التي هي الشرط الذي لا غنى عنه، والمساواة خصوصاً أمام القانون، والشراكة والمشاركة وهما أساسان لا يمكن الانتقاص منهما، ولا سيّما فيما يتعلق بالتمييز سواء لأسباب دينية أو إثنية أو سلالية أو لغوية، أو لأسباب تتعلق بالجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون، أو غيرها مما يؤدي إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

ولكي تكتمل مبادئ المواطنة وتتّخذ بُعداً حيوياً وفاعلاً؛ لا بدّ من اعتمادها على قاعدة العدل ولا سيّما الاجتماعي، إذْ ستكون المواطنة بدونه ناقصة لا سيّما مع الفقر، ومبتورة مع التمييز ومشوّهة مع الافتقار إلى مبدأ المساواة، ومبتسرة إذا استبعدت الشراكة الحقيقية والمشاركة الفعلية بين أبناء الوطن الواحد.

لكي نقرأ الوضع العربي (العراقي والسوري والليبي واليمني) علينا أن نلقي نظرة على ما وصل إليه النموذج اللبناني بعد عقود من الزمان، حيث كانت صيغة التمثيل والتوزيع الطائفي قد استقرت استناداً إلى آخر إحصاء لبناني عام 1932، ولكن اليوم اختلفت النسب التوزيعية للسكان على نحو كبير، بينما بقي العقد الاجتماعي السابق ذاته

لقد أدّت الهزّات التي تعرّضت لها بلدان عربية وأطلِق عليها “الربيع العربي” إلى تفكّك بعض الدول والمجتمعات إلى درجة غير مسبوقة، كما قادت إلى ارتفاع منسوب الهوّيات الفرعية، ولا سيّما إذا كانت قد عانت من كبت طويل أو قمع أو تهميش. وبغض النظر عن الحقوق والاستحقاقات التاريخية ومبادئ المساواة؛ فإن بعض ردود الفعل قادت إلى التقوقع والانغلاق، وذلك جرّاء سياسات العزل والتهميش والاستعلاء التي مورست ضد أصحابها.

كما أظهرت التغييراتُ الانقلابية السريعة وانهيارُ الشرعيات القديمة وعدمُ اكتمال قيام شرعياتٍ جديدةٍ هشاشةَ المجتمعات العربية، خصوصاً بالعودة إلى صيغ ومرجعيات ما قبل الدولة (الدينية والطائفية والإثنية والجهوية والمناطقية والعشائرية والقبلية والعائلية) في العديد من البلدان، ففي ليبيا مثلاً أعيد طرح النموذج الفدرالي بين أقاليم ثلاثة هي: برقة وطرابلس وفزّان في إطار نظرة تقسيمية لا علاقة لها بفكرة الفدرالية الإدارية.

أما اليمن فإن العودة إلى صيغة شمال/جنوب كانت حاضرة خلال الحراك الجنوبي -الذي اتخذ في بعض توجهاته ومن أطراف وفئات مختلفة- دعوة صريحة إلى الانفصال، والعودة إلى صيغة ما قبل الوحدة عام 1990.

وكانت الحرب قد اندلعت -بعد خلافات بين أطراف الوحدة- عام 1994 وحصدت أرواح الآلاف من أبناء الشعب اليمني، كما شهدت البلاد حروباً أخرى بين الحكم المركزي و”الحوثيين” الذين عُرفوا لاحقاً باسم “أنصار الله”، والذين سيطروا على الحكم ثم تحالفوا مع خصمهم التاريخي الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وقد ساهم العامل الإقليمي -ولا سيّما دور إيران، وفيما بعد الحضور الخليجي المعروف باسم “عاصفة الحزم”- بدور كبير في ذلك.

وتظل اليمن بئراً عميقة لا قرار لها، ولا يعرف أحد كيف السبيل إلى تسوية عقلانية بعد انفجار العنف والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، ناهيك عن تفشي ظاهرة الكراهية والانتقام والثأر. وهو ما ساد في ليبيا أيضاً حيث انقسمت المجموعات المسلحة وقاتل بعضها بعضا بعد أن أطاحت بنظام القذافي، وذلك للحصول على النفوذ والمال.

ولكي نقرأ الوضع العربي (العراقي والسوري والليبي واليمني) علينا أن نلقي نظرة على ما وصل إليه النموذج اللبناني بعد عقود من الزمان، حيث كانت صيغة التمثيل والتوزيع الطائفي قد استقرت استناداً إلى آخر إحصاء لبناني عام 1932، ولكن اليوم اختلفت النسب التوزيعية للسكان على نحو كبير، بينما بقي العقد الاجتماعي السابق ذاته وهو الذي تم تقنينه أيام الانتداب الفرنسي على لبنان.

جدل قانون النسبية
لقد حرّك إقرار قانون النسبية اللبناني (16 يونيو/حزيران 2017) الجدل مجدداً حول الصيغة اللبنانية للتسوية؛ ففي حين يرى البعض أنها الصيغة المثالية والنموذجية لحفظ التوازن السياسي عبر تمثيل الطوائف والفئات المختلفة -ولا سيّما بين الكتل البشرية الكبيرة- لمنع هيمنة طائفة على أخرى، فإن هناك من يعتبر أن الصيغة اللبنانية القائمة لا مستقبل لها، وأن أية محاولات لتلميعها أو تعميمها أو اعتبارها صيغة ناجحة، إنما هو مجافاة للحقيقة.

هذا فضلاً عن أن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسببها، وقد كانت السبب الأساسي في الاستنزاف المالي والفساد المستشري في مفاصل الدولة اللبنانية، وهو ما تقرّه جميع القوى والجماعات اللبنانية، ناهيك عن أنه ساهم في انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.

إذا كان نظام النسبية خطوة أولى إيجابية سميّت بخطوة الألف ميل، فإنه جاء استجابة لمطالبات كثيرة كانت تدعو لكسر القاعدة التوافقية القائمة على المحاصّة، ورغم الأثر الإيجابي المحدود الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التغيير في النظام الانتخابي، فإنه لن يحل المعضلة المعتّقة والمرض العضال الذي عانى منه لبنان ورافق حياته السياسية

وكان القانون الانتخابي الجديد مادة سجالية فتحت الشهية لإعادة بحث موضوع النظام اللبناني الذي شهد أزمات حكم وشروخا وطنية وتوتّرات سياسية واحترابات مجتمعية، ولعلّ ذات الأسباب التي قيلت بخصوص القانون الانتخابي -منذ عام 1960- لا تزال موجودة، وقبل ذلك النقاشات التي أثيرت حول تعديلات مقترحة على القانون الأساسي إبان فترة الاحتلال والانتداب الفرنسي. 

وإذا كان نظام النسبية خطوة أولى إيجابية سميّت بخطوة الألف ميل، فإنه جاء استجابة لمطالبات كثيرة كانت تدعو لكسر القاعدة التوافقية القائمة على المحاصّة، وقد نشط ساسة ومثقفون وناشطون مدنيون لبنانيون لأكثر من 50 عاماً في هذه المطالبات. ورغم الأثر الإيجابي المحدود الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التغيير في النظام الانتخابي، فإنه لن يحل المعضلة المعتّقة والمرض العضال الذي عانى منه لبنان ورافق حياته السياسية.

لقد مضى على اتفاق الطائف 27 عاماً، وكان قد أقِرّ بعد حروب دامية أوصلت الجميع إلى القعر، فما كان من بدّ إلا الجلوس على طاولة المفاوضات بإرادة إقليمية ودولية، وأجريت على أساس الاتفاق تعديلات دستورية هيأت بالتدريج لاختلال في توازن القوى؛ فما الذي يمكن للنسبية أن تؤدي إليه؟

يكاد من يتفقون مع الصيغة الجديدة أو يعارضونها أو يتحفظون بشأنها؛ يجمعون على أنها ستكون قاصرة عن إحداث تغيير جوهري بسبب ربطها بالدوائر الانتخابية، في حين يُفترض أن يكون لبنان كلّه دائرة انتخابية واحدة، وهذه الأخيرة هي التي تنتج برلماناً ممثلاً للقوى والتيارات السياسية على نحو أكثر تمثيلاً.

لكن تقسيم البلاد إلى 15 دائرة انتخابية ودمج بعضها بطريقة لا تخلو من ارتباك في المعايير، وجّه انتقادات جديدة للقانون نفسه الذي حاول مجاملة زعامات سياسية في بعض المناطق، مراعاةً لتوازن هو أقرب إلى نظام المحاصّة.

ولا شكّ أن في ذلك نوعا من المحاباة، خصوصاً أن فئات واسعة -غير منتمية أو لا تقبل تصنيفها إلى فئات طائفية- ظلّت معوَّمة. أما الصوت التفضيلي في الدائرة فهو الآخر سيكرّس هيمنة بعض الزعامات على طوائفها وأحزابها، وسيُضعف بقية المرشحين في ذات اللائحة لأنهم سيكونون أقرب إلى تابعين أو ملحقين، وستكون المنافسة بينهم على كسب الأصوات.

فهل هذا النموذج هو النموذج الصالح للتعميم أو للاستنساخ أو للاقتباس أو حتى للاستفادة؟ إن ما تحتاجه البلدان العربية كطريق للتنمية هو الحفاظ على وحدتها الوطنية، واستعادة الدولة لمكانتها وهيبتها ووظيفتها أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم اعتماد مبادئ المواطنة السليمة وفقاً لما تم ذكره، خصوصاً الإقرار بالتنوّع والاعتراف بالآخر وفي ظل حكم القانون، وليس طبقاً لصيغ محاصّة وتقاسم مذهبي وطائفي.

[ad_2]

لینک منبع

آفاق التدخل الدولي في الأزمة الخليجية

[ad_1]

مؤشرات وخسائر
مرتكزات التسوية 

أزمة الخليج بدأت بضوء أخضر دولي -أو “ترمبي” بشكل أدق- وتم احتواؤها أو استبعاد الخيار العسكري فيها بقرار دولي، وعليه فقد آن لها أن تنتهي أيضاً بقرار دولي. الولايات المتحدة حققت مكاسب -مالية تحديداً- في بداية نشوب الأزمة، ولكن الأوضاع تفاقمت وبدأ الجميع يخسر في الوقت الراهن. 

لم يكن لأزمة الخليج أن تتطور إلى الحد الذي وصلت إليه أو تتخذ الشكل الذي اتخذته في عهد باراك أوباما، الذي تميز بالابتعاد عن أزمات العالم العربي حتى حين تم انتهاك الخطوط الحمر التي وضعها في سوريا. ولكن في ظل إدارة ترى العالم من منظور مالي مختلط بشيء من الأيديولوجيا والقومية الشوفينية؛ فإن كل شيء جائز.

مؤشرات وخسائر
توقيت الأزمة -الذي يأتي مباشرة بعد قمة الرياض وبعد توقيع عقود بنية التنفيذ تصل إلى 460 مليار دولار- يشير بدرجة كبيرة إلى أن الكثير من التفاهمات وليس فقط العقود المالية، قد تم التوصل إليها أو إعطاء الضوء الأخضر فيها (كالأزمة الحالية)، وإلا لما كان لتوقيع هذه العقود أن يحدث.

الأزمة كانت مشحونة -منذ بدايتها- بالتصعيد ولمستويات ربما لم تكن متوقعة، حيث ظهر ذلك جلياً في حدة المطالب وخروجها عن درجة المعقول في الأعراف الدولية، كما عبرت عن ذلك عدة عواصم عالمية، والأهم هو ربطها بموعد عشرة أيام تنتهي عندها لتبدأ مرحلة تصعيد جديدة

ومما يشير إلى أن انطلاق أزمة الخليج قد يكون فعلاً أحد هذه التفاهمات؛ تغريداتُ دونالد ترمب التي أعقبت الأزمة مباشرة، وأيدت موقف اللاعبين الأساسيين أو أصحاب العقود المالية في قمة الرياض.

الأزمة كانت مشحونة -منذ بدايتها- بالتصعيد ولمستويات ربما لم تكن متوقعة، حيث ظهر ذلك جلياً في حدة المطالب وخروجها عن درجة المعقول في الأعراف الدولية، كما عبرت عن ذلك عدة عواصم عالمية، والأهم هو ربطها بموعد عشرة أيام تنتهي عندها لتبدأ مرحلة تصعيد جديدة.

هذا التصعيد اصطدم بسقف دولي جديد تم وضعه في المكالمة الهاتفية التي أجراها ترمب مع عبد الفتاح السيسي قبيل اجتماع وزراء خارجية دول الحصار يوم 5 يوليو/تموز (في القاهرة)، وبذلك دخلت الأزمة مرحلة جديدة من الجمود السياسي.

الطرف الأميركي حقق كل ما كان يمكنه تحقيقه من المكاسب تحديداً في بداية الأزمة، فمبيعات الأسلحة وصلت إلى أرقام قياسية غير مسبوقة وشملت طرفيْ الأزمة، دول الحصار ثم قطر. والآن لم تبق هناك مكاسب كامنة إضافية يمكنه تحقيقها.

الآن بدأ دور الخسارة من استمرار الأزمة للطرف الدولي بشكل عام والأميركي بشكل خاص، ولذلك فإن مصلحة الطرف الدولي -مثله مثل الأطراف الرئيسية في النزاع- هي وضع حد للأزمة وإنهاؤها بحل متوافق عليه. وتكمن خسائر الطرف الدولي من استمرار الأزمة في الأمور الثلاثة الرئيسية التالية:

أولا: ارتباك قطاعات واسعة في الأسواق العالمية، ليس فقط في مجال النفط والغاز والمخاطر التي تنتج عن عدم اليقين بتأمين تدفق سلس للطاقة؛ ولكن أيضاً في قطاعات مثل شركات الطيران والاستثمارات وغيرها.

هذه الأجواء تضع كبار المستثمرين في حيرة: إما الاستثمار في سوق غير مضمون (عادة رأس المال يتجنب مثل هذه الأجواء)، أو الاكتفاء بخسائر معينة والانسحاب إلى أسواق أخرى.

ثانياً: سيكون لاستمرار الأزمة أثر كبير على أولى أولويات السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة التي تحددها واشنطنبالحرب على الإرهاب، إذ لن تخطف هذه الأزمة الأضواء من الحرب عليه فقط؛ بل إن الخلافات داخل معسكر الحلفاء (دول الحصار وقطر والمجموعة الدولية) ستشتت الجهود، وستصبح التجاذبات الداخلية صاحبة الاهتمام الأكبر.

سيكون لاستمرار الأزمة أثر كبير على أولى أولويات السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة التي تحددها واشنطن بالحرب على الإرهاب، إذ لن تخطف هذه الأزمة الأضواء من الحرب عليه فقط؛ بل إن الخلافات داخل معسكر الحلفاء (دول الحصار وقطر والمجموعة الدولية) ستشتت الجهود

تأثير استمرار الأزمة سيشمل كذلك -إضافة إلى الحرب على الإرهاب- ملفات أخرى حيوية، ليس فقط للولايات المتحدة ولكن للملكة العربية السعودية أيضاً، على رأسها ملفا إيران وسوريا وغيرهما.

ثالثاً: التأثير الأكبر لاستمرار الأزمة سيكون على مصداقية الولايات المتحدة وهيبتها وقدرتها على الحسم في الساحة الدولية، لا سيما أن سمعتها لم تسترد عافيتها من الضرر الذي لحق بها نتيجة ثماني سنوات من الإدارة المرتبكة للرئيس السابق أوباما.

وكما أطاح “انتهاك الخطوط الحمر السورية” بمصداقية إدارة أوباما على الساحة الدولية، فإن “العجز عن تسوية نزاع الحلفاء” سيطيح بمصداقية إدارة ترمب هذه المرة. أول ضحايا فقدان المصداقية الناتجة عن عدم القدرة على تسوية خلاف الحلفاء؛ سيكون التشكيك في قدرة واشنطن على صياغة تحالفات مستقبلية، ومن يدري فلربما يشمل التأثير التحالفات الحالية.

الخسارة بشكل خاص ستصيب الإدارة الأميركية نفسها، فقد تفاقم الأزمة صراع الأجنحة وتحديداً بين وزير الخارجية ريك تيلرسون وجاريد كوشنر (صهر الرئيس ترمب) الذي عمل على مشاكسة رئيس الدبلوماسية الأميركية، تحديداً في تعييناته لكبار مستشاريه في الخارجية الأميركية.

تسوية الأزمة أصبحت مرتبطة بشكل أدق بمصداقية وزير الخارجية وربما بمستقبله السياسي، حيث بدأ كثيرون في أروقة الإدارة الأميركية ينظرون للأزمة الخليجية على أنها اختبار لقدرات تيلرسون في السياسة الدولية، وبدأت الأصوات تتعالى بانتقاده -بشكل شخصي- على عدم استخدام قدراته في إدارة إحدى كبريات شركات النفط العالمية (إكسون موبيل) لتسوية أزمة من هذا القبيل. فاستمرار الأزمة وفشل الوزير في وضع حد لها سيكون له ثمن كبير بدون شك.

مرتكزات التسوية
استمرار الأزمة سيشمل الجميع وبدون استثناء، والمجموعة الدولية ليست بمنأى عن الضرر الذي ستلحقه بهم. لذا لا بد للتسوية من أن تكون أولوية. وأمام جهود التسوية الدولية عدد من المرتكزات لا يمكن القفز فوقها إن أراد الساعون في التسوية نهاية حقيقية لشبح الأزمة، وأهم هذه المرتكزات:

– تمثل الكويت جانب “الشرعية” في التدخل؛ فلا بد من تعزيز جهودها وتوفير الدعم اللازم لنجاحها. فالكويت إحدى الدول المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، والمشكلة أولا وأخيراً في قلب البيت الخليجي، ويمكن لاستمرارها أن يهدد استمراريته.

كذلك فإن القبول بالكويت وسيطا من جميع أطراف النزاع يعتبر فضيلة في حقل الوساطة وتسوية النزاعات الدولية، فلا تحظى الوساطات الدولية عادة بهذا المستوى من التقدير لحياديتها واستثمارها البنّاء في تسوية عادلة.

المجتمع الدولي لم يكن على نفس الدرجة من الوضوح في إيجاد تسوية للأزمة، فبقي الطرف الدولي مشتتاً بين هذا الموقف وذاك، وظهر أنه فاقد للبوصلة أحيانا كثيرة، وغلبت عليه العشوائية أكثر من التدخل الممنهج، والانشقاق في الموقف الأميركي بين البيت الأبيض ومؤسسات الحكم الأخرى (مثل الخارجية والدفاع) خيرُ دليل على ذلك

ويتضح ذلك إذا قارنا ذلك مثلا بالوساطة الأميركية في النزاع الفلسطيني/الإسرائيلي، أو كيف تعرض الوسيط الأممي في اليمن مؤخراً لمحاولة اغتيال من قبل أحد أطراف النزاع. الشرعية والحياد في التدخل الكويتي إذن يشكلا بارقة أمل في إحداث تقدم باتجاه التسوية، ولكن ذلك ليس كافيا إذ ليس “بالشرعية وحدها تحل النزاعات الدولية”.

– الشرعية حتى تكون فعالة لا بد من أن ترافقها القوة ووضوح الموقف والحسم في التدخل. الجانب الدولي كان حاسماً فعلاً في رفضه للتصعيد، وقد آتى حسمه ثماره فوراً فتم استبعاد الخيار العسكري والكثير من الإجراءات التصعيدية المحتملة.

لكنه لم يكن على نفس الدرجة من الوضوح في إيجاد تسوية للأزمة، فبقي الطرف الدولي مشتتاً بين هذا الموقف وذاك، وظهر أنه فاقد للبوصلة أحيانا كثيرة، وغلبت عليه العشوائية أكثر من التدخل الممنهج، والانشقاق في الموقف الأميركي بين البيت الأبيض ومؤسسات الحكم الأخرى (مثل الخارجية والدفاع) خيرُ دليل على ذلك.

– إن أكثر موضوعين ارتبك فيهما التدخل الدولي في هذه الأزمة هما الإرهاب والإعلام. وللخروج من هذه المتاهة يمكن اعتماد تعريف واحد محدد يستند إلى معايير دولية -كالتي تتبناها الأمم المتحدة- في تعريف الإرهاب، وبعدها تصبح العملية ميكانيكية أكثر منها جدلية؛ بحيث يتم فحص ما إن كان دعم قطر أو غيرها لهذا الطرف أو ذاك ينطبق عليه التعريف الدولي للإرهاب.

– أما ما يخص الإعلام؛ فيمكن تفعيل القضاء على المستوى الدولي، بحيث تقام الدعاوى ويخضع للمحاكمة كل من ينتهك قوانين معينة تؤدي إلى الإضرار بهذا الطرف أو ذاك. لا يوجد في القانون الدولي ما يستدعي إغلاق محطات إعلامية لأن تغطيتها لا تتناسب ومواقف سياسية معينة.

وبدلا من ذلك؛ تمكن ملاحقتها قضائياً واتخاذ إجراءات صارمة بحقها إذا وُجد انتهاك من طرفها لجوانب قانونية أو أخلاقية، وهذا ينطبق ليس فقط على قناة فضائية محددة بل على الجميع بدون استثناء، بما فيها المحطات الإعلامية الأميركية نفسها.

وبالمناسبة، فالمحاكم الدولية تعجّ بالمحاكمات والدعاوى ضد هذا الطرف الإعلامي أو ذاك، ومن مصلحة المجتمع الدولي ككل -بما فيه الأطراف المتنازعة خليجياً- أن يتم ترسيخ القانون والاحتكام إلى القضاء، بدل أن يدخل الوسطاء الدوليون في متاهات التعريفات المختلفة للإرهاب والنشاط الإعلامي على اختلاف مصادره.

[ad_2]

لینک منبع

إيران والأزمة الخليجية

[ad_1]

أزمة مفاجئة
انكشاف الخاصرة
تبدّل المحاور 

إيران هي الغائب الحاضر في الأزمة الخليجية؛ فرغم أنها أزمة لم تدر رحاها على أرض إيرانية، فإن طهران -وهي الكعكة الساخنة إقليمياً ودولياً- تكاد لا تفارق يوميات ولحظات الأزمة التي تعصف بالبيت العربي الخليجي منذ 5 يونيو/حزيران الماضي، وترتبط بما بعد مرحلة الثورات المضادة التي انطلقت في 2013.

أزمة مفاجئة
لعل أهم ما يميز الدبلوماسية الإيرانية هو سياسة النفَس الطويل، والهدوء والنظر بعيدا إلى الأمام. ولذلك تعاملت طهران مع الأزمة -منذ لحظاتها الأولى- بضبط دبلوماسي عالٍ، انتظاراً لانجلاء تفاصيل أكثر حول هذا التطور المفاجئ في علاقات دول الخليجية العربية، فدعت إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية لحل المشاكل البينية على لغة التهديد والحصار.

دخلت إيران على خط الأزمة مبكراً، ففي 7 يونيو/حزيران حوّل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رحلته -التي كانت متجهة من طهران إلى أستانا لحضور قمة شنغهاي 8 و9 يونيو/حزيران- باتجاه أنقرة التي زارها عدة ساعات، والتقى فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وناقش معه الأزمة الخليجية القائمة.

ففي اللقاء -الذي حضره أيضا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو- عبّر ظريف عن قلق بلاده بشأن الأزمة الخليجية القائمة، وحث تركيا على استخدام علاقاتها الحسنة للوساطة من أجل التوصل إلى حلول إيجابية سلمية لخلافات الأشقاء الخليجيين.

ويبدو أن حدس ظريف كان صائباً؛ فقد تبين من قائمة المطالب الـ13 المسربة لدول الحصار أن الأزمة خطيرة للغاية. أدركت طهران أن المشكلة ليست مجرد أزمة علاقات عابرة وإنما هي أعقد من ذلك، حيث هناك سعي لإدخال نمط جديد من الوصاية والهيمنة في العلاقات الإقليمية على حساب سيادة الدول وللتأثير في قرارتها الوطنية.

وجدت طهران نفسها -على حد قول المثل العربي “مكره أخاك لا بطل”- تنتقل من مربع الدبلوماسية المرنة إلى مربع الوقوف إلى جانب دولة قطر بقوة، كما جاء على لسان أكثر من مسؤول إيراني رفيع المستوى.

أدركت طهران أن المشكلة ليست مجرد أزمة علاقات عابرة وإنما هي أعقد من ذلك، حيث هناك سعي لإدخال نمط جديد من الوصاية والهيمنة في العلاقات الإقليمية على حساب سيادة الدول وللتأثير في قرارتها الوطنية، ولذلك

ذلك أن طهران باتت ترى أن أي فرصة لنجاح دول الحصار في مواجهة الدوحة، ستشجع تلك الدول على ترسيخ هذا المبدأ الشاذ في العلاقات الإقليمية. ومن جهة أخرى؛ فإن دولاً خليجية أخرى تتمتع إيران بعلاقات جوار حسنة معها مثل الكويت وسلطنة عُمان، قد تصبح عرضة للحصار والقطيعة بناء على الرغبات السعودية.

إيران لها خلافاتها مع قطر منذ اندلاع الأزمة السورية، وفي الأزمة السعودية الإيرانية عام 2016 وقفت قطر إلى جانب الموقف السعودي فخفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي لدى طهران؛ لكن “إيران الفارسية” هذه قررت اليوم أن تضع هذه الخلافات جانباً معلنة استعدادها لتزويد قطر بكل ما حرمه منها جيرانها “العرب”.

وهكذا فتحت إيران مجالها الجوي أمام عبور الطائرات من وإلى قطر، ثم أعدّت موانئها البحرية -ولا سيما ميناء بوشهر- لإرسال المواد الغذائية واحتياجات السوق المحلي القطري.

لا شك أن جانباً من الأزمة كان تلقائياً، حيث نشأت الفرصة الإيرانية بسبب الإجراءات التي فرضتها دول الحصار على قطر فأغلقت حدودها البرية والجوية، فكان الفضاء والبحر الإيرانيان هما البديل الأقرب والأسهل. ومن جهة أخرى؛ فإن الأمر في ميزان المصالح المشتركة لا يخلو من فرصة ثرية لإيران سياسياً واقتصادياً بتعزيز العلاقة مع الجارة قطر.

لا تزال قطر حذرة في تعزيز العلاقات مع طهران لأسباب مفهومة، بل وعبر عنها رئيس وزراء قطر السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني -في مقابلته مع تشارلي روز مؤخراً- حين وضع محدد العلاقة بين يدي التوافق الخليجي المشترك، إلا أن الجانب الإيراني يجد نفسه -رغم الخلافات حول مسائل إقليمية- مستعداً لتقديم كل أنواع الدعم السياسي والاقتصادي لقطر لتجاوز هذه المحنة.

إيران وقطر وغيرهما باتوا يعرفون أن العلاقات الإيرانية القطرية ليست سببا رئيسيا للأزمة الخليجية، وأن إقحام إيران هنا ليس إلا شماعة باتت تستخدم لأغراض مختلفة منها تصفية الحسابات السياسية الخليجية البينية، إضافة إلى ما يراه المحللون الإيرانيون خطوة للتغطية على عملية التطبيع مع “إسرائيل”، وكذلك ضرب من يعترض قطار الثورات المضادة في المنطقة.

وعليه، وفي سياق المقارنة الموضوعية بين العلاقات القطرية الإيرانية من جهة والعلاقات الإيرانية وبقية الدول الخليجية، وبأخذ التفاوت بين التقارب السياسي والتقارب الاقتصادي بعين الاعتبار؛ يجد المتابع مثلاً أن العلاقات التجارية بين الإمارات وإيران تشهد تزايدا ملحوظا منذ 2011، يتراوح حجمها بين 16 و21 مليار دولار سنويا.

في حين أن حجم التبادل التجاري بين الدوحة وطهران لم يتجاوز 180 مليون دولار سنويا خلال هذه الفترة. وعليه فإن الإمارات تستحوذ على نسبة 90% من حجم التجارة بين إيران ودول الخليج مجتمعة. وهي من الدول الأكثر استفادة بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات على إيران.

انكشاف الخاصرة
عند الوقوف بعمق أمام تداعيات الأزمة الخليجية؛ نجد أنها لا تتوقف عند جغرافيتها العربية بل تتجاوزها إلى جغرافيات عديدة، وليس جزافا إن قلنا من أقصى الأرض إلى أقصاها، ولعل هذا كان سر الاهتمام العالمي الكبير بهذه الأزمة.

في الجغرافيا المحيطة بالأزمة، لعل إيران كانت أبرز المعنيين بآثارها والتقاط الرسائل غير المحسوبة التي رمتها الأزمة في كل حد وصوب والاستثمار فيها. وهنا سنتعرض -مثالا لا حصرا- لأثرين بالغيْ الأهمية للأزمة على الجارة الإيرانية:

إذا صدقنا الرواية السعودية بأن العلاقات القطرية الإيرانية كانت أحد الأسباب الرئيسة للأزمة؛ فأولى دلالات عدم تجاوب الدول العربية والإسلامية مع طلبات المحور السعودي بالالتحاق بحملتها ضد قطر ما عدا دولا معدودة جدا، هي أن ذلك يعني فشلا ذريعا للسياسة السعودية في مواجهة إيران

– الأثر الأول: أن الأزمة جعلت المحور العربي المناهض لإيران بقيادة السعودية مكشوفا أمامها بضعفه ورخاوته، وأعطت انطباعا بأنه لم يكن قويا كما كان يُروج له بل هو منقسم على نفسه.

لأنه إذا صدقنا الرواية السعودية بأن العلاقات القطرية الإيرانية كانت أحد الأسباب الرئيسة للأزمة؛ فأولى دلالات عدم تجاوب الدول العربية والإسلامية مع طلبات المحور السعودي بالالتحاق بحملتها ضد قطر ما عدا دولا معدودة جدا، ورفض غالبية الدول العربية والإسلامية -وبعضها دول ذات ثقل كبير مثل السودان وباكستان- التماشي معها، هي أن ذلك يعني فشلا ذريعا للسياسة السعودية في مواجهة إيران.

فالسعودية كشفت -بربطها أحد أسباب الأزمة بعلاقة قطر مع إيران- ضعفها الكبير وهشاشة المحور الذي تقوده في مواجهة خصمها الإيراني الذي انكشفت حقيقة الصورة أمامه بجلاء، إذ أكد حسين أمير عبد اللهيان مساعد رئيس البرلمان الإيراني -في تغريدة له مؤخرا- أن “السعودية لم تعد شريكاً سياسياً موثوقاً به للدول العربية وليست نقطة الثقل عربياً”.

كما أن هذا المشهد أزاح -إلى حد كبير- الصورة المخيفة التي رسمتها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة، في ظل الحديث عن امكانية تشكيل ناتو عربي، وإبرام صفقات سلاح بعشرات مليارات الدولارات بين الرياض وواشنطن.

ومن المنافع الإيرانية الأخرى أن الانقسام العمودي الذي أحدثته هذه الأزمة في البيت الخليجي سيُنهي عهد مواقفه وسياساته الموحدة إزاء إيران، وهذا سيقلل حجم التحديات التي كان يشكلها هذا البيت مجتمعا، مما يفتح الباب أمام إيران لإعادة قراءة المشهد من جديد، ورسم إستراتيجيات وسياسات جديدة تتناسب مع المرحلة.

ومن جهة أخرى، فإن المعركة الإعلامية التي أشعلتها الأزمة بين أطرافها الرئيسية والمتشعبة في أنحاء المعمورة، أخرجت إيران من سلم الهجمات الإعلامية التي كانت تستهدفها منذ سنوات عديدة، وساهمت -إلى جانب عوامل أخرى- في تحويل إيران إعلاميا إلى شماعة لاستخدام ذلك في التغطية على تحولات سياسية جذرية لسياسات دول خليجية تجاه القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل.

فاليوم وبسبب الأزمة الخليجية؛ لم تعد إيران تتصدر اهتمامات الإعلام العربي كما كانت في السابق، فقد كان أي موضوع له أدنى علاقة بإيران -من قريب أو بعيد- يتصدر المشهد الإعلامي، فانتهاء هذه الحالة يُسجل لصالح إيران.

أمام هذا الواقع العربي المتشرذم، يرى قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري أن إيران أصبحت حاليا القوة الأولى في منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن لأحد أن يتحدى هذه المكانة.

الأثر الثاني: انهيار صناعة “إيرانوفوبيا” بين ليلة وضحاها -بعد استثمارات هائلة صُرفت عليها- جعل من إيران الرابح الأكبر في هذه الأزمة. هذا الانهيار جاء بعد أن كشفت الأزمة حقيقة توجهات المحور السعودي والإماراتي والمصري.

ولفتت الأزمة أنظار النخب والرأي العام العربي والإسلامي إلى خطر أكبر مما يوصف بـ”الخطر الإيراني”، وهو خطر قديم متجدد يشكل أكبر تهديد للعالم العربي، ألا وهو الثورات المضادة التي باتت تتعرض للنسيان بعد أن تفاءل البعض خطأ بالعهد السعودي الجديد والرهان عليه بعد عام 2015. وصار كثيرون -حتى ممن شملتهم الثورات المضادة من الإسلاميين- يؤيدون ما يصدر عن العهد الجديد بشغف وبتقبيل الأنوف قبل الكتوف.

بينما كان هؤلاء يجهلون أن هدف هذا العهد ليس وقف نزيف الدماء هنا وهناك، وإصلاح الوضع في ساحات الخلاف والقتال، وإعداد مشروع إقليمي منافس، وإنما قلب المفاهيم، والتجهيز لـ”صفقة القرن” مع الاحتلال الإسرائيلي، والإجهاض على ما تبقى من قوى حية في العالم العربي.

 تبدّل المحاور
كلما طال أمد الأزمة الخليجية واستفحلت ساهم ذلك في تغيرات جيوستراتيجية إقليمية، منها تبدلات قد تشهدها المحاور والاستقطابات الإقليمية. حيث إن استمرار إغلاق الحدود العربية أمام قطر سيؤدي إلى تأسيس شبكة علاقات اقتصادية قوية مع طهران، إضافة إلى مصالح سياسية تنشأ نتيجة لذلك ولعوامل أخرى.

كلما طال أمد الأزمة الخليجية واستفحلت ساهم ذلك في تغيرات جيوستراتيجية إقليمية، مما سيؤدي إلى تأسيس شبكة علاقات اقتصادية قوية بين قطر وطهران، إضافة إلى مصالح سياسية تنشأ نتيجة لذلك ولعوامل أخرى

ومن جانب آخر، فإن بقاء أبواب الأزمة مفتوحة على مصراعيها يدفع تركيا لمزيد من الاصطفاف إلى جانب قطر، مما سيؤثر -في الأغلب- سلبا على علاقات تركيا مع بقية أطراف الأزمة.

إن الشعور بالاستهداف من قبل فريق إقليمي ودولي واحد يفرض على المستهدَفين جميعاً البحث عن سياسات موحدة في مواجهة هذا الفريق، خاصة أن العنصر الإسرائيلي أيضا يلعب دورا مهما في ذلك، إذ إنه الحاضر الغائب في كل ما يفعله هذا الفريق ضد هذه الدول ومصالحها.

ولذل فإن هذه الأمور ستساهم على الأغلب -إذا استمرت الأزمة الخليجية على حالها واتجهت نحو فصول أكثر تعقيدا- في تقارب بين المحور التركي القطري والإسلام السياسي السني والمحور الإيراني في المنطقة.

الخلاصة أن الأزمة الخليجية غيرت وجهة الرياح بما تشتهي السفن الإيرانية، وأنتجت تطورات وتفاعلات معقدة للغاية، ليست في صالح البيت العربي الخليجي. كما أن الشماعة الإيرانية -التي تحاول دول وقوى عربية ودولية توظيفها لتمرير قرارات وإجراءات ضد معارضيها- فقدت فاعليتها ولم تعد تُجدي نفعا.

[ad_2]

لینک منبع

من التسوية الفلسطينية إلى التسوية الإقليمية!

[ad_1]

محركات الفكرة
الخلفية التاريخية
سؤال الجدوى
رؤية إسرائيل 

مع مجيء رئيس أميركي جديد إلى البيت الأبيض مطلع هذا العام؛ تزايدت الأطروحات المتعلقة بالتخلص من التسوية الفلسطينية ومن استحقاقاتها، للتحول نحو إقامة نوع من السلام الإقليمي بين إسرائيل وبعض الدول العربية يستوعب الحل الفلسطيني أو يدعمه، وفي نفس الوقت يشتمل على خلق مناخ سياسي إقليمي مُوّاتٍ لعلاقات عربية/إسرائيلية، مع إيجاد مؤسسات إقليمية وعلاقات تعاون اقتصادي.

مع ذلك يجدر التنويه هنا إلى أن هذا الطرح تم البحث فيه من قبل، خاصة في القمة التي عقدت بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وكل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني في العقبة (فبراير/شباط 2016)، بحسب تسريبات لصحيفة “هآرتس”.

ثم إن الرئيس السيسي تحدث -في خطاب له خلال مايو/أيار 2016- عن إقامة سلام يمنح الأمل للفلسطينيين والأمان للإسرائيليين، مع تأكيده على “المبادرة العربية للسلام”.

محركات الفكرة
بيد أن هذه الأطروحة أضحت اليوم تستمد زخمها من المحركات الآتية: أولاً، وجود رئيس للولايات المتحدة لا يحمل أجندات واضحة أو مسبقة، وقد صرح مراراً وتكراراً بأن المهم هو إيجاد تسوية بين إسرائيل والبلدان العربية، وأن الدولة الفلسطينية ليست شرطاً لذلك.

تلاحظ مشاريع التسوية الإقليمية أن الأمر يتطلب أيضاً إقامة كيان فلسطيني مستقر ومزدهر، “يتم تأمينه” عبر “التزامات دولية” وعن طريق تشكيل “اتحاد كونفدرالي مع مصر والأردن”، واعتراف العرب بدولة إسرائيل وأنها “دولة الشعب الإسرائيلي التي ستكون القدس عاصمتها

ناهيك عن أنه لوّح بإمكان الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وأبدى لامبالاة بشأن الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، وقال إن على الطرفين المعنيين أن يتفقا على ما يريدانه، سواء كان دولة فلسطينية أو دولة واحدة أو أي شيء آخر.

ثانياً، تأتي هذه الأطروحة في وضع يشهد فيه العالم العربي استقطابات من نوع جديد، لا سيما على خلفية التمزق أو الانهيار على مستوى الدولة والمجتمع في المشرق العربي من العراق إلى سوريا، مع تزايد المخاطر الناجمة عن صعود نفوذ إيران وتمددها من طهران إلى لبنان، مرورا بسوريا والعراق واليمن.

ثالثاً، لم تعد إسرائيل -في ظل الظروف والمعطيات الراهنة- مبالية بعملية السلام، التي تجعلها تدفع -بحسب رأيها- أثماناً كبيرة، لا سيما مع الفلسطينيين، خصوصا بعد انحسار المقاومة بكل أشكالها، ومع غياب التهديدات من كل الجبهات بعد التحولات في مصر، وتصدع الجبهة الشرقية بتفكّك الجيشين السوري والعراقي.

رابعاً، تلاحظ مشاريع التسوية الإقليمية -بحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” (وكالة “سما”، 27 يونيو/حزيران 2017)- أن الأمر يتطلب أيضاً إقامة كيان فلسطيني مستقر ومزدهر، “يتم تأمينه” عبر “التزامات دولية” وعن طريق تشكيل “اتحاد كونفدرالي مع مصر والأردن”، واعتراف العرب بدولة إسرائيل وأنها “دولة الشعب الإسرائيلي التي ستكون القدس عاصمتها”.

وكذلك ضمان “الغالبية اليهودية الثابتة” عبر “الانفصال الديمغرافي” عن الفلسطينيين، مع فرض السيادة الإسرائيلية على جزء كبير من أراضي الضفة الغربية، وتجنيس اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها بفضل دعم دولي شامل.

الخلفية التاريخية
تتأسس أطروحات التسوية الإقليمية على ركيزتين أساسيتين: أولاهما، التحول من التسوية مع الفلسطينيين إلى التسوية مع بعض الدول العربية، وإقامة علاقات طبيعية بينها وبين إسرائيل، بل وحل المسألة الفلسطينية في الإطار العربي -لا سيما
غزة مع مصر، والضفة مع الأًردن- في إطار كونفدرالي مثلاً، أو بإقامة دولة في غزة، وترك الضفة مع الأردن و/أو إسرائيل في إطار كونفدرالي.

والمهم هنا أنه بدلاً من البدء في التسوية الفلسطينية؛ تجري التسوية بداية مع الإطار العربي وهو ما يعني تهميش البعد الفلسطيني، وأن الفلسطينيين لم يعودوا مقررين في شأن التسوية أو الصراع مع إسرائيل.

ثانياً، فكرة التسوية تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية التي يفترض أنها باتت تجمع إسرائيل بالدول العربية، وطبعا تطمح إسرائيل إلى أن تشمل هذه التسوية -إضافة إلى مصر والأردن- بعض دول الخليج وشمال أفريقيا.

ما ينبغي لفت الانتباه إليه هنا هو أن هذه الأطروحات -سواء أتت من أوساط في الإدارة الأميركية أو من أوساط إسرائيلية- ليست جديدة، فهذا ما شهدناه في حقبة التسعينيات مع ظهور مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي تحدث عن مصالح مشتركة سياسية وأمنية واقتصادية، توجب نوعاً من السلام والتعاون بين دول المنطقة وضمنها إسرائيل.

ومعلوم أنه لهذا الغرض نشأ ما سمي في حينه “المفاوضات المتعددة الأطراف”، والتي كانت تُعنى ببحث شؤون التعاون الإقليمي في مجالات الاقتصاد والتجارة والمياه والبني التحتية والبيئة، وذلك بالتوازي مع المفاوضات الثنائية بين إسرائيل ودول عربية (الأردن وسوريا والفلسطينيين).

كما يجدر التذكير بأنه تم تنظيم عدة مؤتمرات لهذا الغرض (مؤتمرات القمة في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا) عقدت أربع مرات، بين أعوام 1994ـ1998، في كل من الدار البيضاء والقاهرة وعمان والدوحة، على التوالي.

أيضاً، هذه الدعوات تستند إلى “المبادرة العربية للسلام” التي أطلقتها القمة العربية (بيروت 2002)، والتي نصت على مبادلة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة (1967) مقابل السلام والتطبيع.

سؤال الجدوى
معلوم أن إسرائيل ضربت عرض الحائط بكل هذه المساعي والأطروحات، بسبب إصرارها على تكريس واقع الاحتلال ورفض أي انسحاب من الضفة الغربية، والتمسك بالقدس عاصمة موحدة، وبتعزيز الأنشطة الاستيطانية، خاصة أنها لم تجد في الوضع الفلسطيني أو العربي أو الدولي ما يضغط عليها لإجبارها على الانسحاب.

ما ينبغي لفت الانتباه إليه هنا هو أن هذه الأطروحات -سواء أتت من أوساط في الإدارة الأميركية أو من أوساط إسرائيلية- ليست جديدة، فهذا ما شهدناه في حقبة التسعينيات مع ظهور مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي تحدث عن مصالح مشتركة سياسية وأمنية واقتصادية، توجب نوعاً من السلام والتعاون بين دول المنطقة وضمنها إسرائيل

وعلى ذلك؛ ثمة أسئلة تطرح نفسها بخصوص الجدوى: فأولاً ومن الناحية الفلسطينية، ما الحاجة إلى مبادرات كهذه في حين أن مسار العملية الجارية بين الإسرائيليين والفلسطينيين -والتي أثمرت اتفاق أوسلو 1993- عمره قرابة ربع قرن، طرح في غضونها العديد من الخطط.

ومن ذلك: مفاوضات كامب ديفد 2 (يوليو/تموز 2000) في عهد الرئيس بيل كلينتون، وطابا (يناير/كانون الثاني عام 2001) ثم خطة “خريطة الطريق” (2003) وبعدها اتفاق الإطار في “مسار أنا بوليس” (2007) في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وبعد ذلك المفاوضات التي أجريت إبان فترة حكم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

ثانياً، لماذا يتم تجاوز “المبادرة العربية للسلام” التي كانت طُرحت في القمة العربية في بيروت 2002 -رغم كل الملاحظات عليها- والتي رفضتها إسرائيل؛ فهل المطروح مجرد تلبية لإملاءات إسرائيل، وإقامة سلام وتطبيع معها ومن دون أي ثمن؟ وإذا كان هناك ثمن أو مقابل إسرائيلي فما هو؟ أو من الذي سيضغط على إسرائيل لتنفيذه؟

يبدو من ذلك أن أطروحة التسوية الإقليمية هي مثل سابقاتها، فضلا عن أنها مثال على التلاعب بالقضايا وتغييب الحقوق، ليس بحكم التعنّت الإسرائيلي المعهود، ولا مبالاة المجتمع الدولي ورياء الدول الكبرى -خاصة أميركا- فحسب، بل لأن هذا يحصل أيضا بسبب تهافت النظام العربي -وضمنه النظام السياسي الفلسطيني- الذي بذل تقديمات مجانية جمّة دون أن يحصل على شيء حقيقي من إسرائيل!

والحاصل أن ما يجري يستهدف الالتفاف على القضية الفلسطينية ووأد حقوق الفلسطينيين، مع التأكيد على أن أي شيء يحصل على صعيد العلاقة بين إسرائيل وبعض البلدان العربية لا يمكن التعاطي معه بوصفه جزءاً من عملية تسوية حقيقية ولو نسبياً، إذ إن ذلك سيكون في إطار إعادة تشكيل المنطقة، أي كجزء من التسويات التي يمكن أن تحصل لتحقيق نوع من الاستقرار، لا أكثر ولا أقل.

رؤية إسرائيل
على الصعيد الإسرائيلي كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” (يونيو/حزيران 2017) تفاصيل ما يُعرف بـ”مبادرة السلام الإسرائيلية”، التي سبق أن بدأت ملامحها تظهر في تصريحات لأعضاء الحكومة الإسرائيلية، إذ أوضحت أن هذه المبادرة “ترمي إلى تحقيق حل شامل ومتعدد الأطراف للنزاع العربي/الإسرائيلي، بدلاً من حل ثنائي للنزاع الفلسطيني/الإسرائيلي”، وأن هذه الخطة ستطرح على إدارة دونالد ترمب.

وللتذكير فإن نتنياهو كان إبان رئاسته أول مرة للحكومة الإسرائيلية (1996ـ1999) طرح أفكاراً من هذا النوع بديلا لاتفاق أوسلو وتتعلق بالسلام الاقتصادي، لذا فإن هذه المقاربة الأميركية -التي تجعل الاقتصاد قبل السياسة، والعلاقات العربية قبل التسوية مع الفلسطينيين- أكثر قرباً لهوى نتنياهو وحكومته، خاصة أنهم يرون أن الوضع الإقليمي الراهن يمثل فرصة سانحة لهم لتغيير طابع العلاقات مع محيطهم العربي.

كل التحركات والمواقف الجارية الآن تغدو بمثابة نافذة فرص لإسرائيل لفرض أجندتها على الفلسطينيين، وفرض نفسها فاعلا رئيسيا في الإقليم، وكل أحاديث عن تسوية أو مبادرات لا تصب في هذا الاتجاه لا يمكن لأميركا ولا لإسرائيل التعامل معها، أما بخصوص السلام العادل والشامل فهذا بات حديثاً للتسلية

ويُستنتج من ذلك أن إسرائيل معنيّة تماماً بالتجاوب مع المسار الأميركي المتعلق بالتسوية الإقليمية على خلاف ما جرى في التسعينيات، إذ أن الأخطار التقليدية من الجيوش النظامية باتت من الماضي، لا سيما بعد الانهيار الحاصل في العراق وسوريا.

وعن هذا الموضوع وربطه بالتسوية الإقليمية، تحدث رئيس المعارضة الإسرائيلية السابق إسحق هرتسوغ عن “الرغبة الإقليمية في الدخول إلى العملية السياسية بفضل حلفاء إقليميين جديين وأقوياء، وبفضل المصالح المشتركة لنا ولجيراننا في القضاء على داعش وكبح إيران، والتقدم مع الفلسطينيين، وبفضل مبادئ مبادرة السلام العربية… بغطاء من إدارة ترمب”.

بل إن هرتسوغ دعا “إسرائيل إلى إقامة مؤسّسات شرق أوسطية مشتركة تعمل على التطوير الإقليمي والتعاون في مجالات مختلفة، من ضمنها الأمن والاقتصاد والمياه وانتقال البضائع والعمال، وتقترح أن تكون القدس مركزاً لهذا الوضع الإقليمي”، (هآرتس، 22 فبراير/شباط 2017).

والمقصود أن كل التحركات والمواقف الجارية الآن تغدو بمثابة نافذة فرص لإسرائيل لفرض أجندتها على الفلسطينيين، وفرض نفسها فاعلا رئيسيا في الإقليم، وكل أحاديث عن تسوية أو مبادرات لا تصب في هذا الاتجاه لا يمكن لأميركا ولا لإسرائيل التعامل معها، أما بخصوص السلام العادل والشامل فهذا بات حديثاً للتسلية لا أكثر، فما هو هذا السلام في شرق عربي متفجر؟!

واضح أن مصير أطروحة السلام الإقليمي يتوقف على ما تريده وما تفعله واشنطن، التي تتعاطى مع منطقة المشرق العربي بوصفها بمثابة “رجل مريض”، ومن باب أنها تصلح منطقة لإدارة الصراع، وضمنه استنزاف وإضعاف روسيا وإيران وتركيا، وعدم إتاحة وضع من الاستقرار في سوريا والعراق قد يشكل تهديداً لإسرائيل على المدى المنظور، إذ لا شيء يفسر هذا العزوف الأميركي عن الحسم أو اللامبالاة غير ذلك.

ومن جهة أخرى؛ فإن الأنظمة العربية المعنية والصديقة لأميركا تبدو في هذه الظروف أكثر استعداداً لاجتياز هذه الخطوة، ربما في مقابل مضي واشنطن في مشروعها لتحجيم إيران ونزع سلاحها النووي وإنهاء مليشياتها في الخارج، ووضع حد لهيمنتها أو لوجودها في سوريا والعراق.

أي أن الثمن أو المقابل لمثل هذه الخطوة لن يكون فلسطينياً -على الأرجح- لأن إسرائيل ستعارض ذلك، وهذا ما يفترض في الفلسطينيين إدراكه والتعامل على أساس منه، والعمل على تفويته إن كانوا ما زال بإمكانهم ذلك.

وقصارى القول، أننا بين خيار تسوية إقليمية ذات بعد اقتصادي وسياسي وأمني، تحسّن وضع كيان السلطة الفلسطينية وتقدم غطاء لها لا أكثر، أو بقاء الحال على ما هو عليه؛ وفي الحالين فإن إسرائيل هي الرابحة إلى حين تغيير المعادلات دولياً وإقليمياً وعربياً.

[ad_2]

لینک منبع

تخيير مسلمي أوروبا بين الانصياع أو الرحيل

[ad_1]

هل هي خطابات “شرعية”؟
منطق “الحل النهائي”
خطابات مرتبكة ومتناقضة 

يحزم مسلمو أوروبا حقائبهم صوب المجهول، وستتراجع نساؤهم عن ستر الشعر والبدن. ليس هذا سوى انطباع شكّلته تصريحات أدلت بها شخصية عربية محترمة لصحيفة ألمانية، وتفاعلت تداعياتها المدوية مؤخراً.

فقد تناقلت وسائل إعلام أوروبية تصريحات الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد بن عبد الكريم العيسى لصحيفة “فرانكفورتر ألغماينه” الألمانية (١٠ مايو/أيار ٢٠١٧) التي أوجب فيها على مسلمي أوروبا الانصياع إلى قوانين تمييزية بحقهم، أو الرحيل عن أوروبا إن لم يتمكنوا من ذلك؛ وهو ما يتعلّق بالمسلمات بصفة خاصة كما جاء عنه.

استدركت رابطة العالم الإسلامي الأمر فنشرت “توضيحات” لفحوى ما قصده أمينها العام، فقطعت الشكّ باليقين، وتأكد معها أنّ ما أوردته التغطيات الأوروبية هو ما قصده المسؤول بالفعل، والمغزى هو أنّ عليكم الانصياع أو الرحيل! لم تتراجع “التوضيحات” عن المضامين المنشورة قبلها، رغم أنها انتقدت أشكالا غير محددة من التناول والاقتباس الصحفي من تلك التصريحات.

يثير هذا الخطاب “الإسلامي” المعروض في فضاء عالمي تساؤلات محيرة. فأي منطق في مطالبة مسلمات أوروبيات بالرحيل عن بلادهن الأوروبية إن رفضن كشف شعورهن مثلاً؟ وهل يُعقَل انبثاق هذه الدعوة عن مؤسسات محترمة بوزن رابطة العالم الإسلامي ومثيلاتها؟

تكشف هذه التصريحات والمواقف ومثيلاتها عن قصور في المعرفة بالنظم الديمقراطية والمبادئ الدستورية والسجالات القيمية، في السياقات الأوروبية والعالمية. فهي تتأسس على خلل في إدراك الحالة الأوروبية وواقع مسلميها، وكأنّ الحديث يدور عن وافدين عابرين أو عمالة مؤقتة تم “استيرادها”.

وفي خطابات تحاول أن تقدِّم نفسها بلغة “إسلامية شرعية”؛ لا يقع الاعتراف بأنّ مسلمي أوروبا هم أوروبيون أيضاً أو أنهم باتوا كذلك على الأقل، وأنهم جزء من واقع أوروبي متنوع. بل ثمة تجاهل فادح لحقائق جلية؛ منها أنّ أجيالا متلاحقة من المسلمين نشأت في بيئات أوروبية لا تعرف غيرها داراً ووطناً، وأنّ أعدادا غفيرة اعتنقت الإسلام دون سابق انتساب إلى بيئات خارجها.

هل هي خطابات “شرعية”؟
ينطوي إقحام أقوال “شرعية” بطريقة ملفّقة ودخيلة على السياقات؛ على تجاوزات مركّبة من شأنها إضعاف المقومات المعنوية للوجود المسلم الهش أساساً، مع توفير مسوغات لمزيد من تضييق الخناق على الالتزام الديني الشاق أساساً في واقع أقليات تواجه تحديات غير مسبوقة.

تكشف تصريحات الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ومثيلاتها عن قصور في المعرفة بالنظم الديمقراطية والمبادئ الدستورية والسجالات القيمية، في السياقات الأوروبية والعالمية. فهي تتأسس على خلل في إدراك الحالة الأوروبية وواقع مسلميها، وكأنّ الحديث يدور عن وافدين عابرين أو عمالة مؤقتة تم “استيرادها”

تتولى هذه المواقف توفير مبررات “شرعية” لن تتوانى مساعي التقييد الديني عن استعمالها لأجل مزيد من التقييد. وهي إذ تطالب المسلمين بالانصياع لثقافة الحظر المستشرية بحقهم؛ فإنها تُذكي بدورها ثقافة الحظر إياها وتفاقمها وتُشرعن فعلها التمييزي بحق المسلمين، فيشتدّ الخطب ويتفاقم المأزق الذي يكتنف المسلمات بصفة خاصة في مواقع التعليم والعمل، وفرص الحضور العام والارتقاء المجتمعي وتحقيق الذات في الحاضر والمستقبل.

لا تتفاعل هذه المواقف والتصريحات و”الفتاوى” في فراغ، فهي ما تُلحّ عليه -منذ زمن- جهات أوروبية تسعى إلى توفير “غطاء إسلامي” أو “شرعية دينية” لقوانين وإجراءات تمييزية الطابع، تتسارع وتيرتها بحق المسلمين عموماً والمسلمات خصوصاً.

فثمة مساعٍ لاستصدار “فتاوى” ومواقف وتصريحات من جهات “إسلامية” في دول عربية لهذا الغرض، ومن يخرجون بمثلها يحظون بطقوس التبجيل بصفتهم فرسان الاعتدال، فيتحررون من وصمة التطرف التي تطارد أوساطاً دينية مسلمة.

إن سعت بعض هذه الجهات لخدمة علاقاتها العامة وتقديم صورة معتدلة عنها في أوروبا والعالم؛ فلا ينبغي لذلك أن يكون على حساب المواقف الشرعية الرصينة والتقديرات المحكمة، أو على نفقة حريات المسلمين وحقوقهم وهويتهم ودينهم بالأحرى.

تنحت هذه الخطابات الجديدة مثالا نموذجيا لمسلم منفصم عن واقعه، مختبئ عن مجتمعه لا يُناقِش ولا يشارك، وقد يتأهب للرحيل إلى المجهول.

وتضع دعوات كهذه المسلمات الأوروبيات تحديدا في مرمى القهر الرمزي وفق ثنائية حتمية مفتعلة بمنطق “إما / أو” الذي لا يفتح آفاقاً، بل يسدّ نوافذ الأمل ويعطِّل خيارات التصرف ويبعث برسائل متشائمة للأجيال المسلمة الجديدة؛ مفادها أنها ليست دياركم ولا هي أوطانكم، وأنّ البقاء فيها مشروط بتقليص التديّن، وأنّ الرضوخ لذلك جائز ولا تثريب عليكم!

لا تتطرّق هذه المواقف “الشرعية” إلى تأثيراتها ومآلاتها. فكيف سينعكس خيار الانصياع للتفرقة مثلاً على الحالة الدينية للأجيال المسلمة المقبلة؟ وما العمل مع خطابات تزعم أنها “شرعية” بينما تعكف على شرعنة التجاوزات، وتحفيز ثقافة الحظر وتشجيع استساغتها والإذعان المجتمعي لها؟

ومع غياب مفهوم السلطة الدينية في الإسلام؛ يجري في أوروبا أحياناً الاحتجاج بمواقف وتصريحات كهذه لتمرير قوانين وإجراءات وأحكام وتوجهات من شأنها القضم من حقوق معينة، لا سيما ما يتعلق بالمسلمات. ولهذه المواقف وزنها في نزاعات قضائية، كما يجري بشأن حقوق مسلمات في العمل أو الدراسة مع ستر الشعر.

وعندما تجود جهات محسوبة على الموقف “الشرعي” الإسلامي بتبريرات تشجع الانصياع؛ فإنها تفتح الشهية لمزيد من التراجع في منسوب الحقوق والحريات، حسب تقاليد المفاوضة المجتمعية في النظم الديمقراطية الغربية. فالأطراف المتجاذبة ترفع سقف مطالبها أساساً لتحصيل مكتسبات معقولة، وتتراجع حظوظها إن خفّضت سقوف مطالبها ابتداء.

والمعضلة أنّ ثقافة الحظر والقوانين والإجراءات التمييزية التي تتخذها سلطات أوروبية بحق المسلمين، تتلازم مع استصدار تصريحات وفتاوى مريبة من جهات “إسلامية” خارج أوروبا تجيز ذلك؛ بل تطالب مسلمي أوروبا بالانصياع لقوانين تقيد الحرية الدينية وإلاّ فلا خيار سوى الرحيل.

وفي التصريحات الأخيرة التي أدلى بها العيسى؛ تأتي رسالة مركزية مفادها أنّ الدولة إن قرّرت ما يكون فما على المسلمين سوى الانصياع. ويغيب استحضار التجارب الأوروبية والغربية والإنسانية عموماً، التي تؤكد أن الانصياع للتفرقة ساعدها على الاستشراء، وأنّ الشجاعة المدنية عرقلت الانتقاص من الحقوق.

لكنّ أصواتاً عربية تتصرف كمن يضع المسلمين والمسلمات على مفترق طرق قسري يستبعد خيار المواطنة الفاعلة التي تفرض اليقظة والإصلاحات الديمقراطية، فتنبري لتقديم بديل تعجيزي أوحد لعدم الانصياع؛ ألا وهو الرحيل الفردي أو الجماعي، في تطابق مع ما يطالب به اليمين المتطرف وينادي به تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أيضاً.

إن عجزت مؤسسات إسلامية معتدلة ذات حضور عالمي عن دعم حقوق المسلمين وحرياتهم أو مساعدتهم في تطبيق دينهم، فلا أقل من تحاشي الانزلاق إلى مطالبتهم بمفارقة بلدانهم التي ينتسبون إليها؛ أو التهاون في الالتزام بتعاليم إسلامية معروفة ومقررة.

وتفرض المسؤولية الأدبية على المؤسسات التي تعنى بطوائفها وأقلياتها أن تدعم فرص هذه المكوِّنات ضمن مجتمعاتها وأن تعزز موقفها وتضغط لصالحها، لا أن تضغط عليها وتحاصرها بمواقف ذات مآلات جسيمة عليها؛ أو أن تلتمس الأعذار والتبريرات للتفرقة بحقها.

لم تتأسس المؤسسات الإسلامية العالمية لاشتقاق “فقه الاستضعاف” أو ثقافة الانصياع وخفض الرؤوس؛ بل لتمكين المسلمين من عبور آمِن إلى مستقبل أفضل بروح عصرهم، ووفق تعاليم دينهم، وبتفاعل مع مجتمعاتهم، وانفتاح رشيد على عالمهم. ولا ينبغي للخشية من وصمة التطرف التي تطارد دولاً ومؤسسات وشخصيات على امتداد العالم العربي؛ أن تنحت خطابات التلفيق ومبادرات الاسترضاء وتغليفها بعمائم وشعارات إسلامية.

منطق “الحل النهائي”
يعيش عشرات الملايين من المسلمين في أوطانهم الأوروبية، فبأي منطق يمكن مطالبتهم بالرحيل عنها؟ وأي واقعية في ما ينادي به أولئك المتحدثون الذين يدركون أنّ أوروبا هي مقصد اللاجئين المسلمين الذين ترفض دول مسلمة استقبالهم؟

يعيش عشرات الملايين من المسلمين في أوطانهم الأوروبية، فبأي منطق يمكن مطالبتهم بالرحيل عنها؟ وأي واقعية في ما ينادي به أولئك المتحدثون الذين يدركون أنّ أوروبا هي مقصد اللاجئين المسلمين الذين ترفض دول مسلمة استقبالهم؟

ينبغي قرع النواقيس إزاء خطاب يتماهى مع نزعة “الحل النهائي للمسألة الإسلامية” في أوروبا. فمعادلة “الرحيل الجبري أو الذوبان القهري” باتت مسموعة حتى من الوسط السياسي في بلدان أوروبية ولم تعد تقتصر على اليمين المتطرف.

أطلقت النازية برنامج “الحل النهائي” لمعالجة ما عُرف في أوروبا بـ”المسألة اليهودية”، فوقع الاقتلاع والترحيل الجماعي والإبادة. وبالتالي ينبغي الاحتراس من تراكم إرهاصات ثقافة ترحيل ناعمة لبعض المسلمين، أو تعزيز إستراتيجيات لهضمهم ثقافياً واحتوائهم معنوياً.

إنّ اللغة المتغطرسة التي تطالب المسلمين بالانصياع للقانون؛ تتوجه لهم دون سواهم، كما يأتي من سياسيين ومتحدثين في سياق حملات انتخابية ومزايدات إعلامية، فكيف لذلك أن يأتي من هيئات مسلمة على هذا النحو؟! ومن قال أساساً إنّ بديل الانصياع هو الرحيل؟

يبقى استحضار خيار الرحيل سابقة جسيمة تغامر بمصالح الوجود المسلم في أوروبا، وتغري بإقصائه وتهميشه وتصنيفه خارج فضاء المواطنة الجامع والهوية الوطنية ككل في أقطار أوروبا.

ولا يسع الموقف الشرعي سوى تمكين المسلمين من حضور إيجابي واثق بالذات ضمن نسيج مجتمعاتهم الأوروبية؛ لا الانعزال عنها أو التهميش الذاتي أو اللجوء إلى الانزواء وطأطأة الرؤوس. وما ينبغي تحفيزه هو جمع أطياف مجتمعية متنوعة على كلمة سواء لحماية القيم والمبادئ، والتصدي لثقافة الشحن والكراهية والتطرف أيا كان مصدرها.

وإذ تقع المطالبة برحيل المسلمين عن أوروبا فإنّ ذكاء المتحدثين يدفعهم للقفز على تحديد وجهة “الرحيل”، فما من أحد سيرحِّب بهذه الأفواج في العالم العربي والإسلامي مشرقاً ومغرباً، سوى “داعش” التي تطلب منهم الرحيل صوب مناطق تسيطر هي عليها، دون قيد أو شرط أو حتى تأشيرة دخول.

خطابات مرتبكة ومتناقضة
لم تكن تلك تصريحات عابرة على الأرجح، فسياقها واضح وملموس مما تدعو له جهات ودول “إسلامية” في منابر عدة حول العالم، إنه سياق خطاب “مكافحة التطرف” الذي يتجاوز أي حديث عن تمكين الأجيال المسلمة الجديدة في أوروبا من تكافؤ الفرص في مجتمعات تعددية ونظم ديمقراطية.

وقع في التصريحات التي أدلى بها أمين رابطة العالم الإسلامي تعظيم “إرادة الدولة” وتضخيم سلطة القانون؛ مع التغاضي عن مفردات جوهرية مثل الديمقراطية والحقوق الأساسية، والمفاوضة المجتمعية وحق الاعتراض السلمي، والتدافع المدني والمشاركة السياسية والمجتمعية

تتناقض هذه الخطابات عندما تنادي بالرضوخ للدساتير الأوروبية التي يتم تصويرها سيفاً مسلولاً فوق الحقوق والحريات، بينما تتجاهل الخطابات ذاتها روح هذه الدساتير ومبادئها والقيم التي تأسست عليها، كما تستنكف عن المطالبة بالامتثال لمقررات حقوقية دولية ذات صلة.

وقد وقع في التصريحات التي أدلى بها أمين رابطة العالم الإسلامي تعظيم “إرادة الدولة” وتضخيم سلطة القانون؛ مع التغاضي عن مفردات جوهرية مثل الديمقراطية والحقوق الأساسية، والمفاوضة المجتمعية وحق الاعتراض السلمي، والتدافع المدني والمشاركة السياسية والمجتمعية، وبناء قدرات المكوِّنات المجتمعية المسلمة.

وهذا كله لأنّ المتحدثين لا ينطلقون من روح الديمقراطية ومفهوم المواطنة، بل من تصوّر عن وافدين ضيوف أو غرباء ينبغي عليهم الرحيل يوماً ما. أما “القانون” في هذا الخطاب فينطوي على مفهوم تقليدي قهري لا تبديل له، يتساوق مع إدراك سلطوي للدولة.

ولا عجب بالتالي أن تغيب في هذا الشأن الإشارة إلى مصطلحات مثل دولة القانون، لأنها تعني ضمناً أنّ الدولة ذاتها بسلطاتها تبقى مقيّدة قانونياً، وأنّ القوانين فيها ليست أحادية الاتجاه بل قابلة للنقد والنقض والتعديل والتحوير، وأنّ حق الاعتراض عليها وخوض التحركات ضدها وتكتيل فئات مجتمعية في مواجهتها مكفول أيضاً.

ولأنّ هذه المواقف والتصريحات لا تقوى أساساً على الاعتراف بالوجود المسلم الأوروبي، بل لعلها تتصوره حفنة مغتربين أو عمالة وافدة أو رعايا أجانب لدول أخرى؛ فإنها لا تكلِّف نفسها عناء التواضع قليلاً ومنح مسلمي أوروبا فرصة التعبير الذاتي عن خياراتهم، بل تتصدى للتقرير عنهم من الخارج، مع انفصال عن الواقع وتجاهل لتفاعلاته.

[ad_2]

لینک منبع