ترمب والحقيقة بشأن تغير المناخ

[ad_1]

في الأول من يونيو/حزيران الماضي، وتحت قيادة الرئيس دونالد ترمب؛ اتخذت الولايات المتحدة خطوة أساسية أخرى نحو ترسيخ نفسها بوصفها دولة مارقة، عندما انسحبت من اتفاق باريس للمناخ.

انغمس ترمب سنوات في نظرية المؤامرة الغريبة التي تتلخص -على حد تعبيره عام 2012- في أن “مفهوم الانحباس الحراري الكوكبي مخترع من قِبَل الصينيين، بهدف جعل التصنيع في الولايات المتحدة غير قادر على المنافسة”. ولكن هذا لم يكن السبب الذي دفع ترمب إلى سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس. فالاتفاق -كما زعم- يضر بمصالح أميركا، وغير عادل ضمنيا في التعامل معها.

وفي حين أن العدل نسبي -مثله في ذلك كمثل الجمال- فإن ادعاء ترمب يصعب تبريره. فعلى العكس من ذلك؛ كان اتفاق باريس كريما للغاية مع أميركا، والولايات المتحدة هي التي تصر على فرض عبء غير عادل على آخرين.

انغمس ترمب سنوات في نظرية المؤامرة الغريبة التي يلخصها بقوله إن “مفهوم الانحباس الحراري الكوكبي مخترع من قِبَل الصينيين لجعل التصنيع في الولايات المتحدة غير قادر على المنافسة”. ولكن هذا لم يكن السبب الذي دفع ترمب إلى سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس. فالاتفاق -كما زعم- يضر بمصالح أميركا

تاريخيا، أضافت الولايات المتحدة -بشكل غير متناسب- إلى التركيز المتزايد للغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي في الغلاف الجوي، وهي تظل -بين الدول الكبيرة- المصدرَ الأكبر للانبعاثات على أساس نصيب الفرد من ثاني أكسيد الكربون، فمعدلها أكثر من ضعف معدل الصين ويقارب ضعفيْ ونصف ضعف أوروبا في 2013 (وهو آخر عام أصدر فيه البنك الدولي بيانات كاملة).

ومع دخلها المرتفع، تُعَد الولايات المتحدة في وضع أفضل كثيرا من الدول الفقيرة مثل الهند والصين -ناهيك عن الدول المنخفضة الدخل في أفريقيا- للتكيف مع تحديات تغير المناخ. والواقع أن الخلل الرئيسي في منطق ترمب هو أن مكافحة تغير المناخ من شأنها أن تزيد قوة الولايات المتحدة لا أن تضعفها. وترمب ينظر إلى الماضي، ذلك الماضي الذي من عجيب المفارقات أنه لم يكن عظيما.

ومن الواضح أن وعده باستعادة الوظائف في مجال استخراج الفحم (التي يبلغ عددها الآن 51 ألف وظيفة، أي أقل من 0.04% من العمالة غير الزراعية في البلاد) يتغافل عن الظروف القاسية والمخاطر الصحية المتوطنة في هذه الصناعة، ناهيك عن التقدم التكنولوجي الذي سيستمر في خفض العمالة في الصناعة، حتى وإن جرى إحياء إنتاج الفحم.

والواقع أن عدد فرص العمل التي تنشأ في مجال تركيب الألواح الشمسية أكبر من عدد الوظائف المفقودة في مجال استخراج الفحم. وفي عموم الأمر؛ يعني الانتقالُ إلى اقتصاد أخضر زيادةَ دخل الولايات المتحدة اليوم ونموها الاقتصادي مستقبلا. وهنا -كما هي الحال مع أمور أخرى كثيرة- يستغرق ترمب في الماضي على نحو ميؤوس منه.

قبل بضعة أسابيع من القرار الذي اتخذه ترمب بالانسحاب من اتفاق باريس؛ أبرزت اللجنة العالمية الرفيعة المستوى المعنية بتحديد أسعار الكربون -والتي شاركتُ في رئاستها مع نيكولاس شتيرن- إمكانات الانتقال الأخضر. ويزعم تقرير اللجنة (الصادر في نهاية مايو/أيار الماضي) أن خفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون من الممكن أن يُفضي إلى اقتصاد أقوى.

المنطق هنا واضح وصريح؛ إذ تتمثل المشكلة الرئيسية التي تعوق الاقتصاد العالمي اليوم في ضعف الطلب الكلي. وفي الوقت نفسه، تواجه حكومات دول عديدة عجزا في الإيرادات. ولكن بوسعنا أن نعالج القضيتين معا في وقت واحد، وأن نخفض الانبعاثات بفرض رسوم (ضريبة) على الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون.

من الأفضل دوما فرض ضريبة على الأشياء السيئة. فمن خلال فرض ضريبة على ثاني أكسيد الكربون؛ يُصبِح لدى الشركات والأسَر الحافز للاستعداد لعالَم المستقبل. ومن شأن هذه الضريبة أيضا أن تزود الشركات بالحافز للإبداع على نحو يحد من استخدام الطاقة والانبعاثات، مما يمنحها ميزة تنافسية دينامية.

وقد قامت اللجنة بتحليل مستوى أسعار الكربون المطلوب لتحقيق الهدف المحدد في اتفاق باريس للمناخ، وهو سعر أعلى كثيرا من الأسعار في أغلب دول أوروبا اليوم، ولكنه يظل في حدود المقبول. كما أشار أعضاء اللجنة إلى أن السعر المناسب ربما يختلف من بلد إلى آخر. وأكدوا -بشكل خاص- أن إنشاء جهاز تنظيمي أفضل (مثلا يعمل على تقييد عمليات توليد الطاقة بإحراق الفحم) من شأنه أن يقلل العبء الذي يجب أن يُفرَض على النظام الضريبي.

إذا استمرت الولايات المتحدة في إطلاق الانبعاثات الغازية بنفس المستوى الحالي؛ فإنها بهذا تستمر في فرض تكاليف هائلة على بقية العالَم، بما في ذلك على الدول الأشد فقرا. ويشعر أولئك الذين لحق بهم الأذى -بسبب تهور أميركا- بالغضب على نحو مبرَّر

من المثير للاهتمام أن السويد -واقتصادها من أفضل الاقتصادات أداءً في العالَم- تبنت بالفعل ضريبة الكربون بمعدل أعلى كثيرا من ذلك الذي يناقشه تقريرنا. كما حافظ السويديون في نفس الوقت على نموهم القوي، من دون انبعاثات على مستوى تلك التي تطلقها الولايات المتحدة.

في عهد ترمب، تحولت أميركا من زعيمة للعالم إلى موضوع للسخرية. ففي أعقاب القرار الذي اتخذه ترمب بسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس؛ عُلِّقَت لافتة ضخمة على مبنى مجلس مدينة روما تقول: “الكوكب أولاً”. وعلى نحو مماثل، سَخِر رئيس فرنسا الجديد إيمانويل ماكرون من شعار حملة ترمب الانتخابية قائلا: “لنجعل كوكبنا عظيما مرة أخرى”.

بيد أن العواقب المترتبة على تصرفات ترمب ليست مادة للضحك. فإذا استمرت الولايات المتحدة في إطلاق الانبعاثات الغازية بنفس المستوى الحالي؛ فإنها بهذا تستمر في فرض تكاليف هائلة على بقية العالَم، بما في ذلك على الدول الأشد فقرا. ويشعر أولئك الذين لحق بهم الأذى -بسبب تهور أميركا- بالغضب على نحو مبرَّر.

من حسن الحظ أن أجزاءً كبيرة من الولايات المتحدة -بما في ذلك المناطق الأكثر دينامية اقتصاديا- أظهرت أن ترمب، إن لم يكن عديم الأهمية، فهو في أقل تقدير أقل أهمية مما يود أن يُصوَّر. وقد أعلنت دول ومؤسسات عديدة أنها ستستمر في احترام تعهداتها، وربما تذهب لما هو أبعد من ذلك فتعوض عن إخفاقات أجزاء أخرى من أميركا.

وفي الوقت نفسه؛ يتعين على العالَم أن يحمي نفسه من الدول المارقة. فمن المؤكد أن تغير المناخ يشكل تهديدا وجوديا لكوكب الأرض لا يقل ترويعا عن ذلك الذي تفرضه طموحات كوريا الشمالية النووية. ففي الحالتين، لا يستطيع العالَم أن يتهرب من الإجابة عن سؤال لا مفر منه: ما الذي نفعله بشأن الدول التي ترفض الاضطلاع بدورها في الحفاظ على كوكبنا؟

[ad_2]

لینک منبع

باريس والمسلمون.. الوجه الآخر

[ad_1]

تزامنت جولتي الأوروبية الثانية -لاستئناف تسجيل الانطباعات لدراسة العلاقة الغربية الإسلامية.. الطريق الثالث- مع أحداث كبيرة وتوجهات مهمة جديدة تعيشها هذه العلاقات وتتراوح بين التطرف والتسامح.

ولعل المحطة الأبرز لجولتي كانت باريس التي سبق وصولي إليها فوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا، في انتخابات عُدّت مفصلية لكونها جاءت في ظل الصعود اليميني المتطرف الذي كادت زعيمته ماري لوبان أن تحسم السباق نحو الرئاسة.

وفي وقت يتعزز فيه تقدم هذا اليمين في دول عديدة من أوروبا، وبدأ فيه تأثير سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد العالم الإسلامي في الظهور والدفع باتجاه حروب وصدامات خطيرة لا تحل كوارث التطرف الديني الذي بُلي به العالم الإسلامي، ومعاناته من صناعة الغلو المسلح ضد مدنيّيه، وضد مستقبله السياسي للبحث عن الدولة المدنية الحقوقية المستقرة.

ولا يقلل تطرف الرئيس ترمب -وبقية اليمين الغربي- من آثار هذا الغلو والتوحش الديني في حاضر العالم الإسلامي على المدنيين الأبرياء في الدول الغربية، الذين رهنوا تحت مطاردة التوحش كما هم مدنيو المسلمين، فحتى سقوط داعشوتشظّيها لم يُعط أي دلالة على وقف أعمال الإرهاب. فقضية تمكن فكر الجماعات الإرهابية يقوم على أربعة أضلاع:

بدأ تأثير سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد العالم الإسلامي في الظهور والدفع باتجاه حروب وصدامات خطيرة لا تحل كوارث التطرف الديني الذي بُلي به العالم الإسلامي، ومعاناته من صناعة الغلو المسلح ضد مدنيّيه، وضد مستقبله السياسي للبحث عن الدولة المدنية الحقوقية المستقرة

1- العنف السياسي والاستبداد المحلي الذي يحرم الشعوب حرياتهم وخيارهم الديمقراطي
2- الاستبداد الدولي والظلم المتتالي والتمييز ضد قضايا المسلمين.
3- وجود فكر غلو ديني ذاتي نشأت بنيته العقائدية في جماعات وتيارات تحت وصاية رسمية، ثم تمرد عليها شقه السلفي الجهادي.
4- تقاطع التوظيف المخابراتي المكثف والمتصادم بين دول هذه المخابرات مع توظيف هذه الجماعات، والتي زادها سوءاً اشتعال الحرب الطائفية وتوظيف لغتها المجنونة في المنطقة العربية، لتحصد منها إيران أو النظام الرسمي العربي مواسم تمرير مشاريعهم لإشغال شعوبهم عن حق المشاركة الشعبية، وإقامة الدولة المدنية ذات القيم والهوية الإسلامية والنظم المدنية الدستورية العادلة.

وهنا تأتي أهمية تحرير الفكر الإسلامي الجديد في هذه التقاطعات الصعبة، التي يضاف إليها في المشهد الغربي تزايد أعمال اليمين الإرهابي العنيفة ضد المسلمين، كالتي حصلت مع فتاة فرجينيا ومصلى مسجد لندن وغيرهما.

وذلك في الوقت الذي استمرت فيه أعمال العنف الإرهابي ضد حواضر الغرب ومدنيّيه الأبرياء، وانتثرت عمليات التشظي العشوائي التي تهدف لقتل أي عنصر مدني في بيئة غربية، لكونه ينتمي إلى العالم المسيحي أو دول الغرب المعاصرة.

فالدراسة هنا تطرح السؤال الكبير مجدداً: هل من المجدي -أو المفيد- أن يعمل الباحثون الغربيون والعرب (وخاصة الإسلاميين النهضويين منهم) على خلق بيئة حوارات ومضبطات ثقافية ميثاقية لعلاقة الشعوب وتقاطعات الفكر الإنساني التقدمية والسلمية، لتكون ثقافة ذاتية تسوق لديهم ولدينا في حاضر العالم الإسلامي دون تسييس رسمي مصلحي يُخضِع المفاهيم لدعم مواسم الاستبداد؟

ودون جعلها حقيبة عابرة يُدشن بها اعتدال مزيف لا يؤمن بقيم الديمقراطية الحقيقية، ومساواتها لشعوب العالم وتكافلهم في حلف الفضول الإنساني للعالم الجديد.

لقد قفز احتجاج مهم من بعض الزملاء اليساريين -في حلقة النقاش التي جمعتني معهم بجهود الصديق الباحث الفرنسي اليساري د. ستيفان لاكروا- وهو: لماذا يُطرح مصطلح الإسلامي الذي يثير حساسية مفرطة في فرنسا خاصة وأقل منها في دول غربية أخرى؟ وسأعود لعرض رؤيتهم ومناقشة هذا الاحتجاج الثقافي في مقال قادم، أعرض فيه ما يمكن لنا أن نفهمه من حلقة النقاش تلك بشأن أوجه التلاقي والخلاف المعقّد بين اليسار الفرنسي والفكر النهضوي الإسلامي.

لكن المهم اليوم هو فهم علاقة الدراسة بما يجري من حالة سقوط وتشظٍّ لحاضر العالم الإسلامي وخاصة منطقة المشرق العربي، والذي يعني بالضرورة أن علاقة الغرب بمسلميه علاقة حيوية ومتداخلة ومستمرة، كمواطنين دستوريين لا مجال لمغادرتهم بعد أن استقرت حياتهم الاجتماعية في الغرب، وبعد أن تعقدت أوضاع بلدانهم الأصلية فباتت الشعوب طريدة في أوطانها أو عبر الحدود، تحت رماح الغلاة والمستبدين ومواسم حصادها الدولي الظالم.

الشارع الباريسي: منذ أولى خطوات مدرج المسافرين القادمين إلى مطار باريس، لم يبدُ لي أي تحفز من موظفي الجوازات تجاه معالم العربي القادم إليهم، وصولاً إلى التعامل مع ما يُسمّى شعب الخدمات أو الشعب السياحي والرأي العام الذي يواجهه السائح.

المهم اليوم هو فهم علاقة الدراسة بما يجري من حالة سقوط وتشظٍّ لحاضر العالم الإسلامي وخاصة منطقة المشرق العربي، والذي يعني بالضرورة أن علاقة الغرب بمسلميه علاقة حيوية ومتداخلة ومستمرة، كمواطنين دستوريين لا مجال لمغادرتهم بعد أن استقرت حياتهم الاجتماعية في الغرب، وبعد أن تعقدت أوضاع بلدانهم الأصلية

غير أنني توقفت بصورة أعمق مع خروجنا من صلاة التراويح (كانت الزيارة أثناء رمضان الماضي) في مسجد باريس الكبير، حيث يرتدي بعض أهلنا من المغرب العربي ومسلمي أفريقيا -من مواطني فرنسا أو من المهاجرين- جلبابا واسعا، تتضح به سمات المسلم المختلف عن البيئة الغربية. ولبعض زملائنا الأكاديميين الإسلاميين الفرنسيين -من أصل عربي- تحفظ على ذلك، حيث ودّوا ألا يُلبس الجلباب الواسع (أو الثوب المنزلي) في الطرقات العامة، احتراماً للبيئة الاجتماعية الفرنسية.

لكن المقصد هنا أنني شاهدت وركزت على موقف الفرنسيين الذين تعبر أمامهم وفود المصلين بعد خروجهم ودخولهم، دون أن تصدر منهم أي إشارات ضيق أو تذمر، وقد يكون الشعور بذلك قائما لدى بعضهم لكن السلوك العام لا يبدي أي استفزاز. أضف إلى ذلك اضطرارنا للصلاة في رصيف جانبي، ولم نتعرض لأي نظرات أو تضايق من المارة.

كما أن كل من صعدتُ سيارته في خدمات المواصلات أو لقيته في بعض المحلات العامة وغيرها هم من أشقائنا أبناء المغرب العربي بدوله المتعددة، فهناك قصة اجتماعية عميقة استقرت -رغم التباين الفكري والصراع السياسي الاجتماعي الثقافي في فرنسا- مع قضية الحضور الإسلامي في حياة الفرنسيين، هذه القصة كرست حالة تعايش إيجابية جداً، تُسجل لفرنسا وتُسجل بالخصوص للمجتمع الباريسي.

فالمرشحة الرئاسية لوبان لم تحصل في باريس إلا على 5%، وبالتعبير السياسي الذي سمعته تم طرد لوبان من باريس، التي ظلت كعاصمة للنور في الغرب -رغم حوادث القتل والتفجيرات الإرهابية في قلبها- متمسكة بميثاقها للتعايش والحقوق الدستورية للجميع، والتي كفلت صعود يمين الوسط -الذي مثله ماكرون مدعوما بقوة من أطياف اليسار في جولة الحسم- إلى الفوز بالرئاسة وقطع الطريق على اليمين المتطرف.

وأريد أن أؤكد هنا أن ما رصدتُه من انطباع عن الجانب الإيجابي لباريس وفرنسا، كان محل سؤال منّي للأصدقاء العرب والباحثين الفرنسيين المتضامنين مع قضايا العدالة العربية، والذين أكدوا جميعاً صحة هذا الانطباع.

وهذا لا يعني عدم وجود حالات تمييز أو كراهية، فضلا عن إشكالية الطبقات المحرومة من تساوي الحقوق، وأحيائهم التي يوجد فيها ذوو الأصول المسلمة بكثافة، وهي إحدى قضايا الكفاح اليساري الفرنسي. لكن في الجملة، هناك قاعدة تعامل واستقرار تعايشي وحقوقي جيدة، بُنيت على نتائج الفكر الجمهوري الحقوقي الذي أفرزته حركة التاريخ الفرنسي بكل أطوارها.

من نهر السين إلى مكتبة شكسبير: ساهم في ذلك قناعة قاعدة من الرأي العام بهذه المفاهيم التي تتعرض بلا شك لضغط شرس من اليمين المتطرف ومن مفهوم الإسلاموفوبيا. ولعلي أوافق الصديق ستيفان لاكروا في أن الليبرالية المعتدلة -التي تمتع بها جاستن ترودو في كندا، وتحتوي اليوم عبر عدالتها الدستورية المسلمين في كندا وتمد جسورها للشرق- يمكن لماكرون أن يستفيد منها.

حصيلة ثقافات الشعوب وتجربتهم التاريخية ليست قطعاً منفصلة عن الضمائر العالمية والضمير الإسلامي على الخصوص، فالرحلة التي تنطلق في نهر السين فتمر على شواهد هذا التاريخ، وتقف أمام مكتبة شكسبير ومعالم مؤسسات خاضت معارك تشريعات القضاء والأنظمة العدلية والحقوقية؛ هي أيضاً منتجات حضارية

وإن بقي التحدي الثقافي الصعب في فرنسا مختلفا عن طبيعة المهجر الكندي الجديد في أميركا الشمالية، فلم يُختبر ماكرون في هذا التحدي الاجتماعي الثقافي حتى اليوم.

لقد كان الحوار البسيط والعميق في ذات الوقت عن انطباع موظف الاستقبال التابع لمعهد العالم العربي بباريس في ذات الاتجاه، فهنا أسئلة التصور المباشرة عن حشود الزوار التي تأتي إلى المعهد بين روح التطلع والتحفز، تُعطي انطباعات مهمة، خاصة مع الرابط بين الإسلام والوطن العربي.

حيث أكد لنا هذا الحوار اتساق الانطباع العام عن موقف غالب الشارع الفرنسي من الإسلام كقضية بحث واستطلاع، قبل أن تؤثر عليهم دفعات التحريض والتشويه لمؤسسات السوق الإعلامية المسيسة، التي تستثمر سلوكيات سيئة لبعض المسلمين وتوظف أعمال العنف لتعزيز التشويه.

مشتركات الضمير العالمي: إن حصيلة ثقافات الشعوب وتجربتهم التاريخية ليست قطعاً منفصلة عن الضمائر العالمية والضمير الإسلامي على الخصوص، فالرحلة التي تنطلق في نهر السين فتمر على شواهد هذا التاريخ، وتقف أمام مكتبة شكسبير ومعالم مؤسسات خاضت معارك تشريعات القضاء والأنظمة العدلية والحقوقية؛ هي أيضاً منتجات حضارية ووسائط مادية تحمل في طياتها مشتركات لتحقيق العدالة القانونية، التي هي في الأصل من أكبر مقاصد الإسلام التشريعية.

والخلاف في فلسلفة بعض الأحكام في الإسلام لا يُلغي وسائط الأصول المشتركة لتحقيق العدالة والمساواة الحقوقية للأسرة البشرية، ولعل هذا الإرث الثقافي والدستوري ساعد بيئة فرنسا في أن تقدم الوجه الآخر الإيجابي لباريس، والذي يحتاج اليوم ضرورة أن يكون ضمن صناعة التفكير الإسلامي الجديد لفقه النهضة الرشيد، لتدوين مفاهيم وتحرير التجربة والحالة الاجتماعية الثقافية، في شقيْ التعامل لحاضر العالم الإسلامي مع الغرب، وفي مرحلة المواطنة الدستورية لمسلميه الذين يَسقط شرقهم اليوم في جحيم الحروب.
وللرحلة تتمة فكرية سنعود لها في المقال القادم بعون الله.

[ad_2]

لینک منبع

الصيف السياسي في أوروبا

[ad_1]

توقع المعلقون أن عام 2017 سيكون عام صعود للقوى الشعبوية نحو تسلم مقاليد السلطة في أوروبا. أو على أقل تقدير، رأوا أن تلك القوى ستجني مكاسب ليست بالهينة في الانتخابات التي جرت في مختلف البلدان الأوروبية.

والآن وبعد أن حل الصيف وانقضت الانتخابات في هولندا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتشرف على الأبواب الانتخابات في ألمانيا؛ حان الوقت لتقييم الوضع السياسي في أوروبا.

ففي هولندا؛ جرت الانتخابات الهولندية في 15 مارس/آذار الماضي، وكان توقُّع المعلقين أن يحقق حزب “من أجل الحرية” -الذي يرأسه خيرت فيلدرز- فوزا كبيرا، ويحصل على قرابة 30 مقعدا في برلمان فيه إجمالاً 150 مقعد. كما حذّر السياسيون من تنامي تأثير حزب فيلدرز المعروف برفضه للإسلام وبرنامجه الهادف إلى هولندا “خالية من الإسلام”.

إثر فوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا؛ تنفست أوروبا كاملة الصعداء مع بروز هذا “النجم” الذي تتوقع البلدان الأوروبية أنه سيمد الاتحاد الأوروبي بطاقة جديدة، ويبث روح الأمل في القارة التي كانت تخشى من صعود الشعبوية مع سلالم السلطة

حسنا، لقد فاز الحزب بمقاعد ولكنها ليست بالقدر الذي تنبأت به استطلاعات الرأي، فقبل الانتخابات كان يحظى الحزب بـ15 مقعدا ثم فاز بخمسة مقاعد، مما يجعل إجمالي ما يحظى به الحزب عشرين مقعدا. بالطبع، هذا يعد مكسبا ولكنه ليس بالمكسب الكبير.

إضافة إلى ذلك، فلا بد من اعتبار شيء آخر مهم، فقد أعلنت الأحزاب الكبرى الأخرى، مثل حزب “الأحرار”، وحزب “الديمقراطيون المسيحيون”، وحزب “الديمقراطيون”، أنها لن تشكل حكومة جديدة مع حزب “من أجل الحرية”. وقد وفت تلك الأحزاب بوعدها، حيث لم يبدأ أي منها مفاوضات مع هذا الحزب لتشكيل حكومة جديدة؛ بل إنها تتجاهله تماما.

وفي فرنسا؛ جرت الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو/أيار المنصرم. وفي الجولة الأولى منها، حلت ماري لوبان (مرشحة الحزب الشعبوي “الجبهة الوطنية”) في المركز الثاني بنسبة 21,3% من الأصوات، بعد السيد إمانويل ماكرون (مرشح الوسط السياسي) الذي حصل على نسبة 24,0%.

وفي الجولة الثانية، حقق ماكرون فوزا هائلا بنسبة 66,1%. وقد اشتمل برنامجه على تجديد الاتحاد الأوروبي، ومحاربة الإرهاب الذي يتم باسم الإسلام، وفي الوقت نفسه حماية المسلمين في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية ضد التمييز.

وقد تنفست أوروبا كاملة الصعداء مع بروز هذا “النجم” الذي تتوقع البلدان الأوروبية أنه سيمد الاتحاد الأوروبي بطاقة جديدة، ويبث روح الأمل في القارة التي كانت تخشى من صعود الشعبوية مع سلالم السلطة.

في فرنسا، لم يتمكن الشعبويون من الصعود إلى السلطة، إذ خسرت لوبان الانتخابات الرئاسية. وفي الانتخابات البرلمانية التي نُظّمت بعدها، حصل حزب ماكرون الجديد على أغلبية مقاعد البرلمان (350 مقعدا من إجمالي 577 مقعدا)، بينما حصل حزب لوبان على ثمانية مقاعد فقط.

وفي بريطانيا، لم يكن للأحزاب الشعبوية في الانتخابية البرلمانية دور كبير، إذ خسر الحزب الشعبوي الوحيد-وهو “حزب استقلال المملكة المتحدة”- مقعده في البرلمان. وكانت البلاد قد تعرضت لثلاث هجمات إرهابية باسم الإسلام في الشهور التي سبقت الانتخابات، إلا أن تلك الهجمات ما كان لها تأثير يُذكَر على نتائج التصويت.

وتجب الإشارة كذلك إلى أن الانتخابات في بريطانيا كان تركيزها الأكثر على البريكست (عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، أكثر من تركيزها على الإرهاب الذي يتم باسم الإسلام.

يمكن أن نستنتج أن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق للأحزاب الشعبوية، وهذا أمر يعطي البشارة لأوروبا ولقضية اللاجئين فيها وللمجتمعات المسلمة في القارة؛ ولكن ذلك لا يعني أن ننسى أن القوى الشعبوية ما زالت قائمة، فلا بد من أن نكون على أهبتنا ضدها

أما ألمانيا؛ فستجري فيها أهم انتخابات هذا العام في سبتمبر/أيلول القادم، وتحديدا الانتخابات الألمانية من أجل تشكيل برلمان جديد. ففي الانتخابات الإقليمية الأخيرة حقق “الحزب الديمقراطي المسيحي” -الذي ترأسه المستشارة أنجيلا ميركل- فوزا ملموسا على الاشتراكيين، ولا سيما الحزب الشعبوي “البديل لألمانيا”، إذ أحرز هذا الحزب نتائج ضعيفة في الانتخابات الإقليمية.

وكان الحزب قد عقد مؤتمرا في وقت سابق خلال الربيع وقرر مجلسه وأعضاؤه تبني برنامج شعبوي متطرف مع معارضة قوية للاجئين في ألمانيا وللإسلام. وقد ذكر المعلقون أن الناخبين الألمان لم يصوتوا للحزب لأنهم رأوا أن برنامجه متطرف جدا.

وعلينا الآن الانتظار لرؤية ما إن كانت الانتخابات البرلمانية في ألمانيا سينتج عنها فوز المستشارة الألمانية، وما إن كان الحزب الشعبوي (البديل لألمانيا) سيظل حزبا هامشيا، مع أنه يبدو أن المستشارة أقرب إلى الفوز بالانتخابات.

إن كل ما سبق بيانه يُظهر أن أوروبا بثت روح الأمل وجددت طاقاتها. صحيح أن الأحزاب الشعبوية لم تختف في الانتخابات الفرنسية والهولندية، وصحيح أنها لا تزال تتمتع بقوة نسبيا في هذه البلاد تُقدّر بنحو 20% من الأصوات. ولكن إن نظرنا إلى الساحة السياسية بأوروبا اليوم؛ فإننا يمكن أن نستنتج أن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق للأحزاب الشعبوية.

ويمكننا أن نستنج كذلك أن انتخاب ماكرون رئيسا جديدا لفرنسا قد منح قوى الوسط السياسي الكثير من الثقل. وفي حال فوز ميركل في الانتخابات البرلمانية الألمانية، سنرى تشاركاً قوياً بين ألمانيا وفرنسا، وهذا يعطي البشارة لأوروبا ولقضية اللاجئين فيها وللمجتمعات المسلمة في القارة.

ولكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا أن ننسى أن القوى الشعبوية ما زالت قائمة، فلا بد من أن نكون على أهبتنا ضدها. وفي الختام، فإن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق لهذه القوى، بل العكس هو الصحيح.

[ad_2]

لینک منبع

بلد واحد.. ونظام واحد

[ad_1]

صادف 1 يوليو/تموز الجاري الذكرى العشرين لتسليم المملكة المتحدة هونغ كونغ إلى الصين، في إطار نموذج يسمى “دولة واحدة ونظامان”. لكن السؤال الذي لا يمكن تجنبه خلال الاحتفالات الرسمية هو: هل هناك حقا أي سبب للاحتفال؟

لو سألت دنغ شياو بينغ -وهو مهندس نموذج “دولة واحدة ونظامان”- عن حصيلة الذكرى السنوية العشرين لعملية التسليم، فلربما كان جوابه أن سكان هونغ كونغ سيحتفلون بازدهارهم وحريتهم. ومن جانبهم، سيعرض قادة الصين مصداقيتهم وقدراتهم على الحكم، ويسكتون في النهاية مجموعة المعارضين الذين شككوا في الحزب الشيوعي الصيني، وشككوا في وعودهم تجاه هونغ كونغ.

لكن الواقع مختلف تماما. فاليوم، أصبحت المشاهد -التي لم يكن من الممكن تصورها في هونغ كونغ عام 1997- روتينية، مثل المظاهرات الجماهيرية المناهضة للصين، وانتخاب المتطرفين المناهضين للسلطة التشريعية في المدينة، والدعوة المفتوحة إلى الاستقلال.

لو سألت دنغ شياو بينغ -وهو مهندس نموذج “دولة واحدة ونظامان” في هونغ كونغ- عن حصيلة الذكرى السنوية العشرين لعملية التسليم، فلربما كان جوابه أن سكان هونغ كونغ سيحتفلون بازدهارهم وحريتهم. ومن جانبهم، سيعرض قادة الصين مصداقيتهم وقدراتهم على الحكم

ومما لا شك فيه أن القوى الاقتصادية القوية -بما في ذلك ظهور الصين والعولمة وارتفاع معدلات عدم المساواة وأسعار العقارات- قد ألحقت الأذى بهونغ كونغ منذ 1997، مما قوض القدرة التنافسية للمدينة والمساهمة في السخط الاجتماعي.

لكن في حين أدت العوامل الاجتماعية والاقتصادية السلبية إلى تفاقم الإحباط الشعبي، فإن الاحتجاجات الجماهيرية -التي أصبحت حقيقة من حقائق الحياة في المدينة- هي أساسا احتجاجات سياسية، وتركز على حقوق شعب هونغ كونغ.

وفي ظل هذه الخلفية، يعتبر عدد قليل فقط أن نظام “دولة واحدة ونظامان” يعد نجاحا. والواقع أن النموذج ربما كان محكوما عليه بالفشل منذ البداية، وذلك بسبب العديد من العيوب القاتلة في هيكله.

بداية، فإناللغة التي تلزم الصين باحترام الحقوق الديمقراطية لشعب هونغ كونغ لم تكن واضحة. وحتى الإعلان المشترك -الذي وقعته الحكومتان البريطانية والصينية عام 1984 ومهد الطريق لعملية التسليم عام 1997- عرض وعدا -غير دقيق إلى حد ما- بأن الصين ستعين الرئيس التنفيذي “على أساس نتائج الانتخابات أو المشاورات التي ستجرى محليا”.

وعلاوة على ذلك، فإن الحزب الوحيد الذي يتمتع بسلطة تطبيق بنود الإعلان المشترك -ناهيك عن الدستور المصغر لهونغ كونغ المعروف باسم القانون الأساسي- هو الحكومة المركزية في بكين.

ونتيجة لذلك، فإن قادة الصين قد يفشلون في احترام روح أو حتى الشروط الصريحة لالتزاماتهم، مع الإفلات من العقاب. ويعكس التطرف الحالي لمواطني هونغ كونغ -ولا سيما شبابها- الرغبة في تغيير ذلك، لجعل الصين تدفع ثمن التنازل عن وعدها بـ”الحكم الذاتي” والرد على المعارضة بالقمع.

وهناك سمة أخرى من سمات نظام “بلد واحد ونظامان” الذي حُكم عليه بالفشل: قرار الصين المتعمد بحكم هونغ كونغ بالرأسماليين والمحسوبية. ومن المثير للسخرية أن من يسمَّون الشيوعيين الصينيين يثقون بزعماء هونغ كونغ أكثر من جماهيرها (ربما لأن رشوة الزعماء أقل تكلفة بكثير).

لكن نظرا لأن ولاءهم يعتمد على مؤيديهم في بكين وليس سكان المدينة التي يحكمونها؛ فإن الرأسماليين الفاسدين في هونغ كونغ هم من السياسيين السيئين.

نهج “بلد واحد ونظامان” لم يكن كارثة بشكل كامل. ونظرا للثغرات الثقافية والاقتصادية والمؤسسية الكبيرة بين هونغ كونغ والصين الشعبية، فقد كان من المحتمل أن تؤول الأمور إلى ما هو أسوأ بكثير، لكن هذا لا يجعله نموذجا مستداما. وفي الواقع، قد يكون فاشلا بالفعل

وبموجب قانون الحزب الشيوعي الصيني، اكتسبوا السلطة والامتيازات التي كانت غير قابلة للتحقق في ظل الحكم البريطاني. لكن ذلك جعلهم لا يستجيبون لدوائرهم الانتخابية، حيث أصبحت هذه الأخيرة منفصلة بشكل متزايد عن منتخبيها. ونتيجة لذلك، فشل وكلاء الصين بشكل كبير في تأمين الشرعية الشعبية.

ومع الأخذ بعين الاعتبار مصير كبار المسؤولين التنفيذيين في هونغ كونغ الذين اختارهم حكام الصين لإدارة المدينة؛ فقد واجه المسؤول الأول تونغ تشي هوا نصف مليون متظاهر عام 2003، وفي 2005 (منتصف فترة ولايته الثانية) دفعه تراجع شعبيته إلى الاستقالة.

وقد أكمل خليفته دونالد تسانغ فترتيه بالكاد، وسُجن بسبب الفساد (مع خليفته الثاني) بعد مغادرته منصبه. وكان ليونغ تشون يينغ -الذي جاء بعد ذلك- كارثة بجميع المقاييس، مما أجبر حكام الصين على عزله بعد ولاية واحدة فقط.

وبطبيعة الحال، فإن نهج “بلد واحد ونظامان” لم يكن كارثة بشكل كامل. ونظرا للثغرات الثقافية والاقتصادية والمؤسسية الكبيرة بين هونغ كونغ والصين الشعبية، فقد كان من المحتمل أن تؤول الأمور إلى ما هو أسوأ بكثير، لكن هذا لا يجعله نموذجا مستداما. وفي الواقع، قد يكون فاشلا بالفعل.

سعى قادة الصين دائما -في أذهانهم- إلى التحرك نحو نموذج “دولة واحدة ونظام واحد” لهونغ كونغ. واعتقد دنغ شياو بينغ أن مثل هذا الانتقال سيستغرق 50 عاما، لكن خلفاءه نفذوه في 20 عاما فقط، ولم يدركوا حتى ماذا كان يحدث على أرض الواقع.

ومهما كانت السياسات التي تتبعها السلطات الصينية في هونغ كونغ منذ الآن وحتى عام 2047، فإن الهدف هو جعل الحاضر يبدو أكثر مثل المستقبل، ولا سيما على مستوى الحقوق السياسية.

[ad_2]

لینک منبع

هدية ترمب إلى أوروبا

[ad_1]

في مؤتمر عُقِد مؤخرا في فرنسا؛ فاجأ عدد من الأوروبيين ضيوفهم الأميركيين عندما زعموا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربما يكون مفيدا لأوروبا. ومع عودة ترمب إلى أوروبا لحضور قمة مجموعة العشرين في هامبورغ (ألمانيا)؛ يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا ما إن كانوا محقين؟

تزعم أغلب الروايات أن رئاسة ترمب كانت رهيبة بالنسبة لأوروبا. ويبدو أنه يزدري الاتحاد الأوروبي، وعلاقته مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فاترة بالمقارنة بصداقته مع الرئيس “الاستبدادي” التركي رجب طيب أردوغان، أو إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وعلاوة على ذلك؛ يرحب ترمب بخروج بريطانيا الوشيك من الاتحاد الأوروبي؛ ويُقال إنه عندما اجتمع برئيسة الوزراء تيريزا ماي أول مرة، سأل بحماس: “ترى من التالي؟”.

وأخيرا، أكَّد ترمب دون استعجال على المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي التي تضمن الدفاع المشترك؛ ثم سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، الذي يحظى بشعبية كبيرة في أوروبا؛ وقرر خفض مساهمة الولايات المتحدة المالية في الأمم المتحدة التي تحظى أيضا بدعم أوروبي قوي.

ليس من المستغرب إذن أن يفتقر ترمب شخصيا إلى الشعبية في مختلف أنحاء أوروبا. يشير استطلاع حديث أجرته مؤسسة “بيو” إلى أن 22% فقط من البريطانيين و14% من الفرنسيين و11% من الألمان، يثقون في ترمب. ولكن عدم شعبية ترمب على وجه التحديد (مناهضة ترمب أكثر من معاداة أميركا) هي التي ساعدت في تعزيز القيم الأوروبية.

أكَّد ترمب دون استعجال على المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي التي تضمن الدفاع المشترك؛ ثم سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ الذي يحظى بشعبية كبيرة في أوروبا، ولذلك ليس من المستغرب أن يفتقر ترمب شخصيا إلى الشعبية في مختلف أنحاء أوروبا 

في وقت سابق من العام الحالي، انتشر الخوف من أن تكون موجة المد الشعبوية القومية المرتفعة -التي حملت ترمب إلى منصبه وأدت إلى الخروج البريطاني- ربما توشك أن تجتاح أوروبا، بل وربما تمنح اليمينية المتطرفة مارين لوبان الرئاسة الفرنسية. ولكن بدلا من ذلك، يبدو أن موجة الشعبوية بلغت ذروتها بانتخاب ترمب.

فمنذ ذلك الحين هُزِم الشعبويون في النمسا وهولندا؛ وانتخب الفرنسيون إيمانويل ماكرون الوافد الوسطي الجديد؛ وخسرت ماي -نصيرة الخروج البريطاني “العسير”- أغلبيتها البرلمانية في الانتخابات العامة المبكرة الشهر الماضي.

لا تزال أوروبا تواجه النمو البطيء، والبطالة المرتفعة، والانقسامات السياسية التي ابتُليت بها في العقد الذي بدأ باندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008. ولكن أياً كان الفائز في الانتخابات الألمانية في سبتمبر/أيلول المقبل، فسيكون معتدلا وليس قوميا متطرفا، وسيدرك أهمية العمل مع ماكرون لإعادة تشغيل المحرك الفرنسي/الألماني للتقدم الأوروبي.

تَعِد مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأن تكون معقدة ومثيرة للنزاع؛ فالمشكلة في نظر “أنصار الخروج الناعم” -الذين يرغبون في الحفاظ على قدرة بريطانيا على الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة- هي أن التصويت لصالح خروج بريطانيا عكس في الأساس المخاوف بشأن الهجرة، وليس التفاصيل الدقيقة بشأن قواعد السوق الموحدة.

غير أن أوروبا ترفض السماح للسلع والخدمات بالتدفق بحرية من دون حرية تنقل البشر. ويعيش نحو ثلاثة ملايين أوروبي حاليا في بريطانيا، في حين يقيم مليون بريطاني في أوروبا.

وربما أمكن التوصل إلى حل توفيقي بإنشاء كيان أوروبي بريطاني يضمن حقوق مواطني الجانبين، ويسمح بفرض بعض القيود على الهجرة وعلى بعض السلع. وبوسع المرء أن يفكر في هذا الكيان من منظور الدوائر المتحدة المركز، حيث تتسم الدائرة الداخلية للاتحاد الأوروبي بحرية الحركة مع السماح بالقيود في الدائرة الخارجية.

وتتوقف إمكانية التوصل إلى مثل هذه التسوية على المرونة الأوروبية. في الماضي، كان الأوروبيون يتحدثون عن السماح بسرعات متباينة نحو الهدف الضمني المتمثل في “الاتحاد المتزايد التقارب”. ولا بد من استبدال هذا الهدف الفدرالي، وإحلال فكرة المستويات المختلفة محل السرعات المختلفة.

والواقع أن العديد من النخب الأوروبية تبنت بالفعل مواقف أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بمستقبل أوروبا، كما تجاوزت الهدف الفدرالي المتمثل في تصور كيان أوروبي فريد من نوعه. وتشير هذه النخب إلى وجود ثلاثة مستويات مختلفة من المشاركة في أوروبا بالفعل: الاتحاد الجمركي، وعملة اليورو، واتفاق شنغن بشأن إزالة الحدود الداخلية. وقد يصبح الدفاع المستوى الرابع.

في الماضي، كان التقدم الأوروبي في مجال التعاون الدفاعي مقيدا ليس فقط بالشواغل بشأن السيادة، بل وأيضا بفسبب الضمانة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة. ومع تسبب ترمب في إثارة الشكوك حول إمكانية التعويل على أميركا؛ انتقلت القضية الأمنية إلى المقدمة.

وقد بدأت الجهود الرامية إلى بناء نظام دفاعي أوروبي مشترك، ولكن العملية تتسم بالبطء. فإلى جانب بريطانيا، تتمتع فرنسا فقط بقدرات كبيرة عندما يتعلق الأمر بإرسال قوات إلى الخارج، في حين كبح التاريخُ ألمانيا ومنعها من القيام بالمزيد. وكانت بريطانيا عازفة دوما عن القيام بأي شيء ربما يتنافس مع حلف شمال الأطلسي. ولكن هذه المواقف بدأت تتغير.

في الماضي، كان التقدم الأوروبي في مجال التعاون الدفاعي مقيدا ليس فقط بالشواغل بشأن السيادة، بل وأيضا بفسبب الضمانة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة، ومع تسبب ترمب في إثارة الشكوك حول إمكانية التعويل على أميركا؛ انتقلت القضية الأمنية إلى المقدمة

ومرة أخرى، من الممكن أن نستفيد من تصور الدوائر المتحدة المركز. فخلال فترة التحضير لحرب العراق في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، زعم مراقبون أن الأميركيين من المريخ عندما يتعلق الأمر بالأمن، في حين كان الأوروبيون من الزهرة.

ولكن العالم تغير، والآن تواجه أوروبا سلسلة من التهديدات الخارجية. وقد ذَكَّرَت الهجمات الروسية على جورجيا وأوكرانيا الأوروبيين بالمخاطر التي تهددهم من جانب جارتهم الكبيرة. ويظل ردع روسيا يتطلب وجود حلف شمال أطلسي قوي.

بيد أن مجموعة أخرى من التهديدات ربما تأتي من العنف في منطقة البلقان. ويعتقد بعض المراقبين أن مقدونيا تفادت بالكاد حربا أهلية. وربما تقدم قوة حفظ سلام أوروبية مساهمة كبرى في تعزيز الاستقرار في المنطقة.

تنشأ مجموعة ثالثة من التهديدات التي تواجه أوروبا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛ إذ تعيش ليبيا في فوضى، وتشكل مصدرا لرحلات بالغة الخطورة عبر البحر الأبيض المتوسط يقوم بها مهاجرون يائسون، وبوسع المرء أن يتخيل أيضا الحاجة إلى حماية المواطنين أو إنقاذ الرهائن في المنطقة.

وهنا من الممكن أن تساعد القدرات العسكرية الإرسالية الفرنسية -خاصة إذا اقترنت بالقدرات البريطانية- في توفير الأمن. وحتى إذا لم تشارك بريطانيا، فربما يقدم أوروبيون آخرون يد المساعدة، كما تفعل ألمانيا الآن في التعامل مع الإرهاب في مالي.

الحق أن أوروبا لا تزال بعيدة عن بناء هيكل دفاعي مشترك، ولكن الاحتياج إلى مثل هذا الهيكل آخذ في النمو. ومن عجيب المفارقات أن ترمب -الذي يفتقر إلى الشعبية- ربما يثبت كونه عونا وليس حجر عثرة.

[ad_2]

لینک منبع

تراتبية الإذلال في آسيا

[ad_1]

على مدار شهر كامل تقريبا الآن؛ كانت القوات الهندية والصينية مشتبكة في مواجهة متعادلة في “دوكا لا” (حيث تلتقي حدود بوتان والصين والهند)، وهو أطول مأزق من هذا النوع بين الجيشين منذ عام 1962.

في إشارة غير خفية إلى ذلك الصراع الذي منيت فيه الهند بهزيمة كارثية؛ حذر المتحدث باسم وزارة الدفاع الكولونيل وو كوان الهند ونصحها بـ”التعلم من الدروس التاريخية”. لكن دروس التاريخ تميل -بشكل غريب- إلى التكيف مع منظور أولئك الذين يستشهدون بها.

ترى القيادة الصينية الحالية في صراع عام 1962 الثمن الذي كان على دولة مجاورة متغطرسة أن تدفعه مقابل عدم استجابتها للضرورات الإقليمية. ولكن في نظر الهند، كان ذلك الصراع إذلال أثارت غضبا يقض مضاجع البلاد طوال ما يزيد على نصف قرن. وعلى هذا فمن المرجح أن يخلف ما تبقى منه التأثير المعاكس لما توقعه وو.

الإذلال في العلاقات الدولية ليس كمثل الإحراج؛ فهو يرقى إلى مستوى التدهور العام لقوة دولة فاعلة أخرى وحرمانها من مكانتها، وترسيخ تسلسل هرمي واضح.
وتوفر الحروب فرصة الإذلال بطرق صارخة للغاية، لأن الهزيمة في ساحة المعركة لا تجلب السخرية والاستهزاء فحسب، بل تنطوي أيضا على خسائر واضحة وخاصة في الأراضي

الواقع أن الإذلال في العلاقات الدولية ليس كمثل الإحراج؛ فهي ترقى إلى مستوى التدهور العام لقوة دولة فاعلة أخرى وحرمانها من مكانتها، وترسيخ تسلسل هرمي واضح.

وتوفر الحروب فرصة الإذلال بطرق صارخة للغاية، لأن الهزيمة في ساحة المعركة لا تجلب السخرية والاستهزاء فحسب، بل تنطوي أيضا على خسائر واضحة وخاصة في الأراضي. وإن كان لأي دولة أن تفهم التأثير الذي قد تخلفه مثل هذا الإذلال، فهي الصين.

ففي حين كان وو يبث رسالته إلى الهند؛ كان الرئيس الصيني شي جين بينغ يؤكد -في إطار الاحتفال بالذكرى العشرين لتسليم هونغ كونغ إلى الصين- أن تلك الخطوة أنهت ما ألحقته بريطانيا بالصين من “إذلال وحزن” عندما استولت على المدينة عام 1842.

ويعكس هذا استخدام الحزب الشيوعي الصيني الأوسع نطاقا لوصف “قرن الإذلال”، الذي ادعى أنه لم ينته إلا عندما أسس الحزب الشيوعي الصيني الجمهورية الشعبية في 1949، لتغذية النزعة القومية الناشئة. خلال تلك الفترة، تحطمت صورة الصين الذاتية بوصفها القوة المتفوقة في شرق آسيا بسبب سلسلة من الهزائم، كانت مؤلمة بشكل خاص لأنها أوقعتها بها اليابان المحدثة النعمة.

رغم هذا الوعي القوي بالتأثير المستمر الناتج عن إذلالها؛ كثيرا ما تفشل الصين في إدراك حقيقة مفادها أن تصرفاتها السابقة ربما أفضت إلى تحفيز مشاعر مماثلة لدى آخرين.

فقد كانت هزيمتها للهند عام 1962 تتويجا لمنافسة دامت عشر سنوات على زعامة الدول المستقلة حديثا التي نشأت عن إنهاء الاستعمار. وكانت لهذا السبب تشكل ضربة مدمرة لتطلعات الهند لأن تصبح القوة التي لا ينازعها أحد على زعامة حركة عدم الانحياز.

والهند ليست الدولة الوحيدة التي لاقت الإذلال على يد الصين. ففي فيتنام، تترك عبارة “ألف سنة من الهيمنة الصينية” نفس الصدى الذي تتركه عبارة “مائة عام من الإذلال الأجنبي” في الصين.

لكن الصين ليست الدولة الوحيدة التي عانت من الإذلال وأذلت دولا أخرى بدورها. ففي حين عانت الهند من الإذلال على يد الصين في 1962، فإنها ألحقت بجارتها باكستان -بعد تسع سنوات- ما يتذكره أهلها باعتباره هزيمة مهينة.

فمنذ استقلالها 1947، سعت باكستان لترسيخ نفسها بوصفها ندا للهند في جنوب آسيا، فانضمت إلى تحالفات تقودها الولايات المتحدة، أو توددت إلى الصين لإظهار أهميتها الإستراتيجية. ولكن حرب عام 1971 بين الهند وباكستان -التي انتهت إلى استقلال شرق باكستان (بنغلاديشالآن)- سحقت تلك الآمال.

مع صعود النزعة القومية في مختلف أنحاء آسيا؛ تُصبِح لدى القادة حوافز قوية لصياغة نسخة من التاريخ تعزز قضيتهم، ومن الواضح أن الإذلال الصادم من أكثر الذكريات التاريخية فعالية في تعزيز هذا الغرض. وقد أتقنت الصين هذا الفن، ولكن بوسعنا أن نرصده في أماكن أخرى أيضا، بما في ذلك الهند

بيد أن باكستان تظل أيضا غافلة عن الأثر المذل المترتب على تصرفاتها؛ أي تاريخها الذي دام أربعة عقود تقريبا من التدخل في أفغانستان لتأمين “العمق الإستراتيجي”، والذي أوقع بأفغانستان أذى من شأنه أن يستمر سنوات قادمة، على نحو لم يلحقه بها الغزو الروسي. ويصدق نفس الأمر على كافة أشكال الإذلال المذكورة آنفا: فهي مؤلمة بشكل خاص لأن من أحدثتها جارة آسيوية، وليس قوة قادمة من بعيد.

الواقع أن مثل هذه المهانة -كما رأينا في حالة الصين- تخلّف تأثيرا طويل الأمد. والواقع أنها قد تخلق رغبة عارمة في الانتقام تطغى على دوافع السياسة الخارجية الأكثر واقعية. ولهذا السبب، كان الجيش الباكستاني مثلا على استعداد لتقويض جميع مؤسسات البلاد التي أقسم على الدفاع عنها، باسم الانتقام من الهند.

مع صعود النزعة القومية في مختلف أنحاء آسيا؛ تُصبِح لدى القادة حوافز قوية لصياغة نسخة من التاريخ تعزز قضيتهم، ومن الواضح أن الإذلال الصادم من أكثر الذكريات التاريخية فعالية في تعزيز هذا الغرض. وقد أتقنت الصين هذا الفن، ولكن بوسعنا أن نرصده في أماكن أخرى أيضا، بما في ذلك الهند.

ويتمثل المفتاح في خلق تراتبية للإذلال، يصبح بموجبها الإذلال الذي يلحق ببلد المرء شديد الأهمية، في حين تتضاءل أهمية ذلك الذي يلحق ببلد الآخر، ولا يُذكَر إلا لتأكيد المنزلة التراتبية.

مع ذلك، وكما يوضح النزاع الدائر الآن في “دوكا لا”؛ فإن مثل هذا النهج كفيل بخلق مخاطر جسيمة. فبعد الحرب العالمية الأولى، عندما فشلت أوروبا في معالجة إرث الإذلال على النحو الملائم، كانت النتائج كارثية.

ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، ارتفعت أوروبا إلى مستوى التحدي، مما مهد السبيل إلى تعاون إقليمي غير مسبوق. ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن تسلك آسيا مسارا مماثلا قبل أن يبلغ الغضب من المهانة التاريخية نقطة الغليان.

[ad_2]

لینک منبع

الأقلية الشابة الحاكمة في روسيا

[ad_1]

في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، حلت المحسوبية محل الرأسمالية الروسية الصاعدة. إذا كان بوتين يؤمن بأي شعار؛ فهذا هو: “لأصدقائي أي شيء؛ لكن لأعدائي القانون”. في سيرته الذاتية عام 2000، كشف بوتين في كتاب “الشخص الأول” عما “يهمه أكثر”، وقال لصحفي: “لدي الكثير من الأصدقاء، لكن قلة من الناس قريبون جدا مني. لم يتخلوا عني.. ولم يخونوني أبدا، ولم أخنهم”.

والواقع أن بوتين ساعد أصدقاءه كثيرا. ووفقا لمجلة “فوربس”؛ فإن كثيرا منهم أغنياء، حتى من دون احتساب ما هربوه من أموال خارج البلاد. فمثلا، كشفت “وثائق بنما” في العام الماضي أن صديق طفولة بوتين سيرغي رولدوجين -وهو عازف كمان لا يدعي أنه رجل أعمال- تلقى حوالي ملياريْ دولار من أموال الدولة.

لقد قام بوتين بتأميم النخب الروسية بشكل أساسي. وقام أصدقاؤه المقربون -منذ أيام سانت بطرسبورغ ولجنة أمن الدولة في عهد السوفيات- بتعليم أبنائهم في روسيا، بدلا من إرسالهم إلى الخارج.

وبما أن ذرية الجيل السابق من القبارصة في روسيا قد غادرت البلاد بشكل مطرد، فقد أخذ أبناء أصدقاء بوتين المقربين مكانهم. وكما قال المراقب الروسي بريان ويتمور في عام 2015؛ فإن “أبناء أصدقاء فلادمير بوتين المقربين” هم أغنياء بالفعل، “ومعظمهم دون سن الأربعين”.

بوتين ساعد أصدقاءه كثيرا. ووفقا لمجلة “فوربس”؛ فإن كثيرا منهم أغنياء، حتى من دون احتساب ما هربوه من أموال خارج البلاد. فمثلا، كشفت “وثائق بنما” في العام الماضي أن صديق طفولة بوتين سيرغي رولدوجين -وهو عازف كمان لا يدعي أنه رجل أعمال- تلقى حوالي ملياريْ دولار من أموال الدولة

وخلافا لآبائهم؛ فإن معظم هؤلاء القلة لم يحصلوا على شهادات في الدراسات العليا. بعد الدراسة، يميلون للذهاب مباشرة إلى وظائف مهنية في البنوك المملوكة للدولة أو شركات مثل غازبروم، حيث ينالون عادة -بعد ترقية سريعة- منصب نائب الرئيس. وفي الوقت نفسه، يُفترض أن ترتبط أخواتهم بشباب مناسبين.

من بين الشباب الذين يدورون في حلقة بوتين الذهبية، قام أبناء أصدقائه في سانت بطرسبورغ بعمل جيد، وذلك بالعمل في الشركات الخاصة. هنا يمكننا النظر في حالة صديق بوتين المقرب والأقل شهرة نيكولاي شمالوف وابنيه.

كانت شركة شمالوف تدير مبيعات المعدات الطبية في روسيا لشركة سيمنس حتى عام 2008، عندما قامت وزارة العدل الأميركية ولجنة الضمانات والبورصات الأميركية بتغريم سيمنس مبلغ 1.34 مليار دولار، لانتهاكها قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة.

وذكرت اللجنة أن شركة سيمنز قامت بـ”ممارسة منتظمة لدفع رشاوى لمسؤولي الحكومة الأجنبية، للحصول على أعمال” في ست دول بما فيها روسيا. تمت إقالة شمالوف من شركة سيمنز بعد 16 عاما من الخدمة الموالية، لكن دون خسائر تذكر. وكان لدى ابنيه وظائف رائعة بالفعل.

في عام 2005، أصبح ابنه الأكبر يوري الرئيس التنفيذي لشركة غازفوند، صندوق التقاعد الكبير في غازبروم. وأصبح ابنه الأصغر كيريل -في سن 25 عاما- نائب الرئيس في شركة سيبور، وهي شركة كبيرة للبتروكيميائيات كانت قد انفصلت عن غازبروم.

بين عاميْ 2011 و2013، استحوذ كيريل على 4.3٪ من شركة سيبور عبر برنامج خيارات الأسهم التنفيذية. وفي 2013 قيل إنه تزوج ابنة بوتين كاترينا تيخونوفا في مراسم سرية، وبعدها باع أغنى صديق لبوتين -وهو غينادي تيمشينكو- 17٪ من سيبور بسعر مناسب. وامتلك زوج ابنة بوتين نحو 1.3 مليار دولار في الوقت الذي كان يبلغ فيه 34 عاما.

كما يمكننا النظر في قضية أركادي روتنبرغ الذي هو أحد أعضاء حكم القلة، وقد ازدهرت أعماله بواسطة عقود الدولة لخطوط أنابيب الغاز والطرق. والابن البكر لروتنبرغ هو إيغور، وهو المساهم الأكبر في تنقيب شركة غازبروم، وابنه الثاني رومان هو نائب الرئيس في غازبرومبانك.

وبالمثل، فإن ابن يوري كوفالشوك -العنكبوت في شبكة بوتين المالية التي تدير بنك روسيا وتخضع لعقوبات دولية- هو الرئيس التنفيذي لشركة إنتر راو، وهي شركة الطاقة المملوكة للدولة.

رغم أن المحسوبية متفشية في روسيا، فإن تعيين هذه المجموعة الصغيرة من الأفراد الأثرياء في المناصب العليا لافت للنظر. لقد جعلت محسوبية بوتين الأغنياء وأسرهم أكثر ثراء من أي وقت مضى، ولكن مع تقليص فرص الشباب في الوصول إلى المناصب العليا، فإن الاستياء بين جيل الشباب الروس الكفء والطموح سيزداد تفاقما

وقد صعد أيضا أبناء أصدقاء بوتين من لجنة أمن الدولة بسرعة في عالم الشركات. إذ أصبح سيرغي إيفانوف -الذي يحمل اسم رئيس الأركان السابق لبوتين- نائبا لرئيس شركة غازبرومبانك في سن الخامسة والعشرين، ثم رئيس شركة ألروسا الروسية للألماس المملوكة للدولة في سن 36 عاما.

وأصبح ديمتري ابن نائب مستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف الرئيسَ التنفيذي لروسلخوزبانك (البنك الزراعي الروسي المملوك للدولة) وهو في سن 33. وأصبح إيفان ابن الرئيس التنفيذي لشركة روزنيفت (إيغور سيشين) نائب مدير قسم الشركة وهو في سن 25.

في هذا السياق، كان دينيس ابن رئيس مجلس الأمن الفدرالي أليكساندر بورتنيكوف رجلا حكيما وهو في سن 37، عندما انضم إلى مجلس إدارة بنك VTB. وكان بيتر ابن رئيس الوزراء الروسي ونائب رئيس مجلس النواب الروسي ميخائيل فرادكوف في عمر 29 عاما فقط عندما أصبح نائب رئيس فانيشيكونومبانك، وهو بنك له صلة الآن بفضائح إدارة ترمب المستمرة.

يبدو أن ولاء بوتين لأصدقائه وأسرهم بلا حدود؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2015 أدخلت حكومته ضريبة طريق جديدة تسمى “بلاتون”، وواجهت احتجاجات واسعة النطاق بين سائقي الشاحنات المستقلين الذين يعملون على مسافات طويلة، وذلك لتتمكن من خلق احتكار مطلق لشركة تشغيل يملكها إيغور روتنبرغ.

وقد دافع بوتين عن ضريبة “بلاتون” في مؤتمره الصحفي السنوي الذي عقده في ديسمبر/كانون الأول 2015. وعندما أثارت سائلة بشأن “روتنبرغ الذي استلم (ضريبة) سائقي الشاحنات في البلاد كهدية”، تجاهل بوتين مخاوفها باعتبار أنها “ذات أهمية ثانوية”.

وأضاف بوتين أن الإيرادات من الضريبة “لا تذهب إلى حساب شخص ما، ولكنها توجه لصندوق الطريق للاتحاد الروسي، حتى آخر ستنيم”. ثم ادعى أنها “تنفق على بناء الطرق في المناطق الروسية”. لكن رغم ضمانات بوتين؛ فإن الاحتجاجات الواسعة النطاق استمرت، وكذلك استمر تدفق الأموال إلى جيب إيغور روتنبرغ.

ورغم أن المحسوبية متفشية في روسيا، فإن تعيين هذه المجموعة الصغيرة من الأفراد الأثرياء في المناصب العليا لافت للنظر. لقد جعلت محسوبية بوتين الأغنياء وأسرهم أكثر ثراء من أي وقت مضى، ولكن مع تقليص فرص الشباب في الوصول إلى المناصب العليا، فإن الاستياء بين جيل الشباب الروس الكفء والطموح سيزداد تفاقما.

[ad_2]

لینک منبع

غارسيا يكسر الأسطوانة المشروخة

[ad_1]







مع كل أزمة تمر بها المنطقة -سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم غيرها- تنشط جيوش المشككين في نزاهة ملف قطر ٢٠٢٢، والمطالبين بسحب استضافة بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من قطر. وهذا ما حصل مع بدء الحصار؛ فقد تزايدت هذه المطالبات خصوصاً مع نشر الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تقرير مايكل غارسيا.

بل تجاوز الأمر هذه المطالبات إلى محاولة الترويج لنتائج مخالفة لما ورد في التقرير. وفي هذا السياق، سأتناول مدى إمكانية سحب استضافة كأس العالم ٢٠٢٢ من قطر من منظور قانوني.

ولمن لا يعلم ما هو تقرير غارسيا وصلاحياته؛ نقول إن السيد مايكل جون غارسيا هو محقق تم تعيينه بعد منح استضافة بطولتيْ كأس العالم ٢٠١٨ و٢٠٢٢ وتزايد الادعاءات بعدم عدالة إجراءات المنح وفسادها، فأسند إليه التحقيق في إجراءات منح استضافة البطولتين.

ووقع الاختيار على غارسيا باعتباره صاحب خبرة واسعة (حيث عمل محاميا عاما سابقا لمقاطعة جنوب نيويورك، ويعمل حالياً قاضيا مساعدا في محكمة الاستئناف بولاية نيويورك وهي أعلى محكمة في الولاية)؛ ليقوم بمراجعة ملفات كل الدول المتقدمة للاستضافة وتقديم تقرير بشأنها، وهو التقرير الذي انتهى بتبرئة ملف قطر ٢٠٢٢.

تنقسم التزامات الدولة المستضيفة (قطر) إلى التزامات سيادية تتطلب قرارات وتعديلات تشريعية تتخذها حكومة دولة قطر لضمان تنفيذ هذه الالتزامات، والتزامات خاصة ترتبط بالاتحاد القطري لكرة القدم كالتنظيم وغيره


تنقسم مراحل إمكانية سحب استضافة كأس العالم من أي دولة مستضيفة -وهي في حالتنا قطر- إلى مرحلتين
: الأولى هي مرحلة ما قبل توقيع عقد الاستضافة، والثانية ما بعد توقيع العقد.

وإذا ما تناولنا المرحلة الأولى؛ فإننا سنجد أنه لكي يتراجع الفيفا عن قرار منح قطر استضافة كأس العالم ٢٠٢٢ فهو بحاجة لدليل يثبت مخالفة ملف قطر ٢٠٢٢ للوائح النزاهة والشفافية واللوائح ذات الصلة.

وهذا ما تم نفيه وقد ثبت ذلك للجميع بعد نشر تقرير غارسيا، كما أن المُدد القانونية للطعن في قرارات اللجان القضائية التابعة للفيفا قد انتهت، وعليه فإن المرحلة الأولى لا مجال للحديث عنها أو تناولها بالتشكيك قانوناً.

أما المرحلة الثانية -وهي مرحلة ما بعد توقيع عقد الاستضافة- فيتم فيها تقديم ضمانات حكومية من قِبل الدولة المستضيفة لضمان تنفيذ الالتزامات الواردة في العقد. وخلال هذه المرحلة تتحول استضافة البطولة من كونها علاقة من جانب واحد مرتبطة بالقرار الفردي للفيفا إلى علاقة تعاقدية يحكمها العقد المبرم بين الطرفين.

وبناءً على ذلك؛ تنقسم التزامات الدولة المستضيفة إلى التزامات سيادية تتطلب قرارات وتعديلات تشريعية تتخذها حكومة دولة قطر لضمان تنفيذ هذه الالتزامات، والتزامات خاصة ترتبط بالاتحاد القطري لكرة القدم كالتنظيم وغيره.

ولكي يستطيع الفيفا سحب استضافة البطولة من قطر بعد توقيع العقد، يتحتم -بشكل عام- حدوث إحدى الحالات التالية:

الحالة الأولى: أن يخل الاتحاد القطري لكرة القدم -عبر لجنة ملف ٢٠٢٢- بالتزاماته الواردة في عقد الاستضافة. ولتجنب أية إشكالية في هذه الحالة؛ قامت الحكومة القطرية بتأسيس اللجنة العليا للمشاريع والإرث، لتكون هيئة حكومية مستقلة ومخصصة لمتابعة تنفيذ الالتزامات الواردة في عقد الاستضافة والضمانات الحكومية المصاحبة.

والمتابع لعمل اللجنة العليا للمشاريع والإرث سيجد أنها تلعب دوراً بارزاً في السعي نحو تعديل كثير من القوانين والإجراءات، بالإضافة إلى التقدم الهائل في تجهيز البنى التحتية للبطولة. وخير شاهد على ذلك هو افتتاح استاد خليفة الدولي، أول الملاعب المخصصة لاستضافة مباريات كأس العالم ٢٠٢٢.

الحالة الثانية: أن تُخل الحكومة القطرية بالضمانات التي قدمتها في عقد الاستضافة. ومثل هذا الأمر مستبعد، حيث لم تخل الحكومة القطرية بأي من التزاماتها الدولية سابقاً، كما أنها أكدت مراراً التزامها التام بالوفاء بتعهداتها المصاحبة لعقد استضافة البطولة.

احتمالات سحب بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من دولة قطر غير واردة قانوناً، وبالتالي فإن استمرار إثارة الأقاويل حول إمكانية سحب البطولة من قطر ما هو إلا أسطوانة مشروخة كُسرت بعد نشر تقرير غارسيا

وفي هذا السياق؛ اتخذت الحكومة خطوات لضمان تنفيذ تلك الالتزامات، حيث أعلنت زيادة مالية في بند المشاريع الوارد في الموازنة العامة للدولة ليكون ١٠٠ مليار ريال قطري، كما اتخذت العديد من الخطوات لتعديل التشريعات القانونية والمالية وغيرها لتسهيل استضافة البطولة، ومن ذلك تعديل قانون شؤون الوافدين وقانون العمل.

الحالة الثالثة: حصول إحدى حالات القوة القاهرة التي تنحصر في حالات متفق عليها بين طرفيْ التعاقد، وتعرف في حدود ضيقة جداً مرتبطة بأحداث طبيعية ليس لأي من الطرفين يدٌ فيها؛ فهي ترجع إلى قضاء الله عز وجل وقدره. وفي هذه الحالة لا يتم سحب البطولة إلا بعد التأكد من أن حالة القوة القاهرة مستمرة وليست مؤقتة.

وبناءً على ما تقدم؛ فإن احتمالات سحب بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من دولة قطر غير واردة قانوناً، خصوصاً مع التزام الدوحة ببنود العقد والضمانات الحكومية المصاحبة. وبالتالي فإن استمرار إثارة الأقاويل حول إمكانية سحب البطولة من قطر ما هو إلا أسطوانة مشروخة كُسرت بعد نشر تقرير مايكل غارسيا.


المصدر : الجزيرة






[ad_2]

لینک منبع

تركستان.. أجدادنا الذين سلم السيسي أحفادهم للموت

[ad_1]

يقول الخبر إن عسكر سلطة انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر اعتقلوا 500 طالب تركستاني (ويستدرك البعض بأنه: لم يظفروا بأكثر من 80 منهم والبحث جارٍ عن الآخرين)، وذلك من مقارّ إقامتهم ودراستهم بالأزهر الشريف، ومن الأماكن العامة التي يترددون عليها، ومن المطار الذي توجهوا إليه لينجوا بأنفسهم.

ويضيف أن الاعتقال تم تمهيدا لتسليمهم إلى السلطات الصينية على نحو يهدد حياتهم وحريتهم وسلامتهم، مما جعل مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش السيدة سارة ليا ويتسن تطالب السلطات المصرية بعدم ترحيلهم إلى الصين “حيث قد يتعرضون للملاحقة والتعذيب”، كما قالت.

الاعتقالات جاءت بعد ثلاثة أيام من استقبال ضياء رشوان رئيس هيئة الاستعلامات (هيئة مصرية حكومية) وفدا صينيا في مكتبه بالقاهرة، لإجراء مباحثات كان من أبرز بنودها التعاون في مكافحة “الإرهاب”، الذي يبدو أنه لم يعن بالنسبة لطرفيْ “التباحث” إلا التنكيل بهؤلاء “المستضعفين في الأرض” من طلاب العلم الشرعي، المضحين بكل ما يملكون أملا في أن يعودوا من “الأزهر” بزاد معرفي يتقاسمونه مع شعبهم الذي ابتعثهم روادا، لا ليعودوا إليه مقيدين رهن التنكيل بهم.

الاعتقالات جاءت بعد زيارة وفد حكومي صيني للقاهرة لإجراء مباحثات كان من أبرز بنودها التعاون في مكافحة “الإرهاب”، الذي يبدو أنه لم يعن بالنسبة لطرفيْ “التباحث” إلا التنكيل بهؤلاء “المستضعفين في الأرض” من طلاب العلم الشرعي، المضحين بكل ما يملكون أملا في أن يعودوا من “الأزهر” بزاد معرفي يتقاسمونه مع شعبهم

وكانت السلطات الصينية طالب الطلاب التركستانيين بإلغاء دراستهم في الأزهر والعودة إلى تركستان الشرقية، وهددت من يمتنع عن العودة باعتقال ذويه، وواجه من عاد عقوبة السجن ما بين 15 سنة والمؤبد، ووصل الأمر إلى الإعدام في حالات بتهمة “السعي إلى انفصال تركستان” التي تحتلها الصين منذ 64 عاما.

ويقول التاريخ إن تركستان الشرقية -التي يعني اسمها “أرض الترك”- دولة مسلمة تعاني الاحتلال الاستيطاني مثل فلسطين، وحسبك تزويرا لتاريخها أن السلطات الصينية تسميها “شينغيانغ” أي “الأرض الجديدة”، لتوهم الناس بأنها مجرد منطقة غير مأهولة، مستخدمة المنطق نفسه الذي استخدمته العصابات الصهيونية، حين زعمت أن فلسطين أرض بلا شعب.

الصهاينة اغتصبوا فلسطين تحت شعار كاذب الطرفين هو “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ونظام بكين احتل تركستان تحت عنوان لا يقل كذبا إذ سماها “الأرض الجديدة” مع أن أبناءها يقيمون على أرضها بشكل متصل منذ آلاف السنين.

ومع أنها بلاد تحفل بالمواقع الأثرية التي تركها الأجداد للأحفاد، شواهد على أنهم عمروا الأرض، وعلى عراقة الإسلام واستقراره في تلك البلاد التي كانت مدخل الدين الحنيف إلى الصين، منذ بعَث الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك القائد قتيبة بن مسلم لفتحها.

وكان أول ما فتحه من المدن الكبرى مدينة “كاشغر” العاصمة التاريخية التي تقع إلى الغرب من تركستان الشرقية، دخلها قتيبة بن مسلم عام 96 للهجرة فدخلها الإسلام منذ ذلك التاريخ واستمر انتشاره.

وتذكر رواية تاريخية صينية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بعث عام 107 للهجرة سفيرا لتوثيق صلاته بالإمبراطور الصيني هسون تسونغ، وبلغت الاتصالات بين الخلافة الإسلامية ومملكة الصين ذروتها في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي استنجد به الإمبراطور الصيني سورتسونغ في عام 139 للهجرة ليساعده في القضاء على ثورة داخلية اندلعت ضده.

فبعث أبو جعفر إلى ملك الصين قوة من عشرين ألف مقاتل نجحت في إخماد الثورة، وقرر معظم هؤلاء المقاتلين أن يستقروا في الصين ولا يعودوا إلى بلادهم، وفي عام 232 للهجرة أسلم خاقان (ملك) تركستان ستوف بوغرا كما أسلم ولداه موسى وهارون، والواضح أن اسميهما أطلقا عليهما بعد الإسلام.

عرفت المصاهرة طريقها بين أمراء المسلمين وملوك الصين، حيث تزوج الأمير نوح بن نصر الساماني (توفي 331 للهجرة) ابنة ملك الصين، وكان استيلاء دولة المغول على شمال الصين عام 612 فتحا جديدا للإسلام في تلك الأصقاع.

حيث دخل أمراء وملوك المغول من أحفاد جنكيز خان في الإسلام، مما شجع المسلمين على أن يهاجروا إلى تلك الدولة ويستقروا فيها، وتولى بعضهم مناصب مهمة، ومنهم عمر شمس الدين الذي اشتهر بلقب “السيد الأجل”، وولاه الإمبراطور المغولي قوبلاي خان بيت المال.

وذكر المؤرخون أن حفيد “السيد الأجل” حصل من إمبراطور آخر للمغول عام 735 للهجرة على صك يُقرّ فيه بأن الإسلام هو الدين الحق الخالص، كما سمح الإمبراطور للمسلمين ببناء مساجدهم في ستيانفو ونانكين.

يقول التاريخ إن تركستان الشرقية -التي يعني اسمها “أرض الترك”- دولة مسلمة تعاني الاحتلال الاستيطاني مثل فلسطين، وحسبك تزويرا لتاريخها أن السلطات الصينية تسميها “شينغيانغ” أي “الأرض الجديدة”، لتوهم الناس بأنها مجرد منطقة غير مأهولة، مستخدمة المنطق نفسه الذي استخدمته العصابات الصهيونية

وعندما قامت دولة أسرة “مينغ” -التي امتد حكمها في الصين إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي- توطدت صلات المودة بين أباطرتها وحكام تركستان المسلمين، ومنهم شاه رُخْ الذي اشتهر بثقافته العالية، وبعث إلى الإمبراطور الصيني عام 815 للهجرة، رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام.

ويقول الباحث الصيني هوي تشانغ إن مؤسس أسرة “مينغ” الإمبراطور هونغ وو كان مسلما، مستندا إلى كونه لم يصرح باعتناقه أي دين محلي، وتركه 100 رسالة يمدح فيها الإسلام، كما أمر ببناء المساجد في مدن الصين، التي لم يكن الإسلام منتشرا فيها.

وشجع وو على نقل أسر عربية وفارسية إلى الصين، وأمر بنقش مدح وذكر فضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان 10 من قادة جيوشه مسلمين ومنهم يوتشن تشانغ يو لان. وقيل إن هذا الإمبراطور أسلم على يد أحد قادة أول فرقة انضم إليها من فرق الثائرين على حكم أسرة “يوان” المغولية.

لكن الحال تغيرت في أخريات عهد حكم أسرة “المانشو”، التي حكمت الصين منذ 1644م وحتى قيام الجمهورية الصينية في 1912، وحصل حكام هذه الأسرة على دعم غربي واضح في حروبهم ضد جيرانهم المسلمين، وبفضل هذا الدعم فإن حكام أسرة المانشو، وبرغم الثورات الداخلية التي تمزق مملكتهم تمكنوا من احتلال إقليم التبت عام 1720.

كما احتل الصينيون كاشغر عاصمة تركستان الشرقية في 1759 لكن المسلمين واصلوا المقاومة، وقام الأوزبك بثورة في 1866 لم يتمكن حكام الصين وحلفاؤهم من القضاء عليها إلا في 1878، ثم -وبدعم بريطاني كامل- أعلنت الصين ضم تركستان الشرقية عام 1881، وأطلقت عليها منذ ذلك التاريخ اسم “شينغيانغ”.

وبالتوازي مع ثورة المسلمين في تركستان الشرقية؛ كانت هناك ثورة أخرى تندلع في ولاية يونان التي ثار مواطنوها المسلمون في 1858، ثم تحولت الثورة إلى حركة سياسية استمرت نحو ثمانية عشر عاما وكانت تطالب باستقلال الولاية، ويتزعمها ماتيه سنغ الذي كان قد أدى فريضة الحج ثم زار القاهرة.

انخرط ماتيه في قيادة حركة الثورة والاستقلال التي تمكنت من هزيمة قوات الإمبراطور الصيني عدة مرات، ثم أعلنت في 1868 استقلال ولاية يونان وإقامة دولة إسلامية اتخذت من مدينة “تالي فو” عاصمة لها، وتولى حكمها السلطان “سليمان” الذي لم يكن غافلا عن دور بريطانيا في دعم الصين.

ولهذا أرسل السلطان ابنه حسن إلى لندن عام 1870 لمقابلة الملكة فيكتوريا والحصول على مساندتها، لكن رئيس وزراء بريطانيا آنذاك وليام غلادستون حال دون نجاح المسعى؛ ولا عجب، فغلادستون كان يرى نفسه “محاربا صليبيا”، وقد عمل على اقتطاع بلغاريا من جسد الدولة العثمانية، كما عمل على احتلال القوات البريطانية لمصر.

وغلادستون هو القائل: “ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق”. والقائل أيضا: “لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن”.

وبدلا من مساعدة السلطان سليمان؛ ساعدت بريطانيا إمبراطور أسرة “المانشو” بأن أرسلت إليه الجنرال غوردون ليساعده على تنظيم صفوف جيشه ومهاجمة الدولة الإسلامية التركستانية الوليدة في حرب قذرة، لم يتورع سفاحوها عن ارتكاب مختلف جرائم التنكيل والتخريب، حتى سقطت الدولة ومات السلطان “سليمان” في 15 يناير/كانون الثاني 1873.

سخّر النظام الصيني آلته الإعلامية والسياسية ومنظومته الاقتصادية لاقتلاع الإسلام من الأرض التي تثبت كل يوم أنها مسلمة قلبا وقالبا، والتي يواصل فيها أبناء عثمان باتو طريق المقاومة متمسكين بهويتهم، حتى وهم يجدون “الموت” متربصا فيما ظنوه ملاذا لهم في مصر التي غدر بهم نظامها

هذه إلمامة خاطفة بتاريخ المسلمين في الصين، تؤكد أن الإسلام أصيل في تلك البلاد وأن المسلمين ليسوا غرباء فيها، بل هم من أبناء البلاد منذ عشرات القرون سواء منهم من نبتت جبال الصين من عظام أجداده، أم من ذهب إليها مع الفتح ثم مع الصلات الاجتماعية والتجارية الإسلامية منذ ألف سنة أو أكثر.

المسلمون الصينيون هم صينيون لا غرباء، من حقهم أن يقيموا شعائر دينهم، وأن يلتزموا أوامره وينتهوا عن نواهيه، وأن تكون شريعتهم محل احترام وسيادة في وطنهم، ولهذا تجددت الثورة في تركستان الشرقية عام 1932 وتشكلت حكومة جمهورية إسلامية في مدينة كاشغر، وبعد سقوط الحكومة تجددت الثورة مرة أخرى في 1936.

وهي الثورة التي حاول النظام الصيني قمعها في 1940 بمجزرة مروعة، ستظل جريمة تدين من ارتكبها ومن رضي بها ومن سكت عنها. لكن ثورة مسلمي تركستان الشرقية تجددت في العام نفسه، وفي 1947 أعلن الثوار بقيادة الجنرال عثمان باتو الاستقلال الذاتي لإقليم تركستان الشرقية.

وظل باتو وجنوده يتصدون لجيش الصين الشيوعية وحلفائه -الذين يخالفونه في المذهب السياسي لكنهم يتفقون معه في العداء للإسلام- أربع سنوات، وباتو يقود جنوده محاربا على كل الجبهات، وفي 21 رجب 1370 للهجرة (29 أبريل/نيسان 1951) أعلن النظام الصيني تنفيذ حكم الإعدام في عثمان باتو.

ثم بدأ هذا النظام حملة لتوطين غير المسلمين في المناطق الإسلامية بعد طرد المسلمين منها قسرا لتنخفض نسبة المسلمين إلى 70%، كما هدم المساجد حتى لم يبق منها إلا أقل من تسعة آلاف، من أصل 16 ألف مسجد كانت ترفع الأذان خمس مرات يوميا، ثم منع النظام أداء الصلاة، وحرق الكتب الإسلامية.

سخّر النظام الصيني آلته الإعلامية والسياسية ومنظومته الاقتصادية لاقتلاع الإسلام من أرض تركستان التي تثبت كل يوم أنها مسلمة قلبا وقالبا، والتي يواصل فيها أبناء عثمان باتو طريق المقاومة متمسكين بهويتهم، حتى وهم يجدون “الموت” متربصا فيما ظنوه ملاذا لهم.

واليوم لا يجدون في مصر إلا “كافور” يغدر بهم، فكأن المتنبي يخاطبهم مشفقا عليهم:
وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ ** فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ؟!
وكأنهم يردّون عليه بقوله:
مِن عَبيدي إنْ عِشتَ لي ألفُ كافو ** رٍ وَلي مِن نَداكَ رِيفٌ ونِيلُ
ثم يمضون -بمنتهى التفاؤل- في طريقهم المليئة رعبا!

[ad_2]

لینک منبع

ميلاد جديد للشراكة عبر الهادئ

[ad_1]

عندما أعلن دونالد ترمب -في واحد من أوائل تصرفاته كرئيس- أن الولايات المتحدة لن تشارك في الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ تصور كثيرون أن اتفاق التجارة الإقليمي بين الدول صاحبة النصيب الأضخم في التجارة العالمية قد مات، لكن ربما جاءت هذه التصورات سابقة لأوانها.

وُضع التصور الأساسي للشراكة عبر المحيط الهادئ كمنطقة اقتصادية تقوم على قواعد وقوانين، تمتد فوق إقليم المحيط الهادئ وتتكون من 12 دولة (هي: أستراليا، وبروناي، وكندا، وتشيلي، واليابان، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزلندا، وبيرو، وسنغافورة، والولايات المتحدة، وفيتنام)، تمثل في مجموعها 40% من اقتصاد العالم تقريبا.

وأجريت المفاوضات -التي استمرت خمس سنوات- بعناية واجتهاد بالغَين. ففي حالة اليابان مثلا، عمل المفاوضون وعلى رأسهم أكيرا أماري -الذي كان يشغل حينها منصب وزير الدولة للسياسة الاقتصادية والمالية- ليل نهار لطمأنة المعارضين في كل قطاعات الاقتصاد المحلي (ومنهم مزارعو الأرز مثلا)، ولضمان نتائج مشجعة أيضا.

بالتأكيد أحدث إعلان ترمب في يناير/كانون الثاني الماضي -الذي جاء بينما كان الاتفاق جاهزا للتصديق- رجة أصابت الجهود المبذولة لإنجاز الشراكة في الصميم. لكن سرعان ما شرع كثير من اللاعبين من أصحاب المصلحة -الحريصين على منع انهيار الشراكة عبر المحيط الهادئ- في مناقشة سبل المضي قدما بدون الولايات المتحدة.

أحدث إعلان ترمب في يناير/كانون الثاني الماضي انسحاب بلاده من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ -الذي جاء بينما كان الاتفاق جاهزا للتصديق- رجة أصابت الجهود المبذولة لإنجاز الشراكة في الصميم. لكن سرعان ما شرع كثير من اللاعبين من أصحاب المصلحة -الحريصين على منع انهيار الشراكة- في مناقشة سبل المضي قدما بدون الولايات المتحدة

وبحلول مايو/أيار، كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يعلن استعداد اليابان لتولي زمام المبادرة لإنجاح الاتفاق، وإن أكد في الوقت ذاته أنه لا يزال يأمل عودة أميركا للشراكة.

وسرعان ما أعلنت اليابان ثم نيوزلندا سعيهما للتوصل إلى اتفاق مع الدول الموقعة الأخرى بحلول نوفمبر/تشرين الثاني، لدفع الشراكة عبر المحيط الهادئ إلى الأمام. وسيكون لهذه الخطوة -حال نجاحها- مردود عظيم على الدول الموقعة على الشراكة عبر المحيط الهادئ، بل ربما تكتشف الولايات المتحدة حينها أنها أهدرت فرصة هائلة.

وبصفة عامة، هناك نهجان متباينان لتحقيق تجارة أكثر حرية؛ الأول: النموذج العالمي مجسدا في منظمة التجارة العالمية. وتتمثل الميزة الرئيسة لهذا النهج في نطاقه الضخم؛ إذ أنه يضمن ترابط جزء ضخم من الاقتصاد العالمي، نظرا لالتزام معظم الاقتصادات المكونة لهذه المنظمة بمنظومة قوانين مشتركة، وخضوع أعضائها لآلية لحل المنازعات تمكّن من إنفاذ وتطبيق هذه القوانين.

لكن ربما شكلت مسألة النطاق ذاتها وجه الضعف الرئيسي لمنظمة التجارة العالمية أيضا، نظرا لصعوبة إقناع عدد كبير من الدول بالموافقة على مجموعة واحدة من القوانين. والحق أن عملية التفاوض تكون غالبا مضنية ومستنزِفة للوقت، بل وأكثر مشقة من تلك المفضية إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وكانت هذه النقطة سببا رئيسيا لفقدان مفاوضات منظمة التجارة العالمية الزخم الذي كان مطلوبا خلال جولة المحادثات التجارية بالدوحة، التي انطلقت عام 2001 وتوقفت دون التوصل إلى اتفاق.

أما النهج الثاني لتحقيق تجارة أكثر حرية -الذي يتمثل في الاتفاقيات الثنائية- فيتميز بأنه يقلل من حدة مشكلة النطاق. فنظرا لاشتمال مثل هذه الاتفاقيات على دولتين (أو دول قليلة)، تكون المفاوضات أكثر وضوحا ومباشرة وأقل استهلاكا للوقت.

فنجد مثلا أن اليابان والاتحاد الأوروبي قد عاودا مؤخرا مضاعفة جهودهما -التي بدأت عام 2009- للتوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي، وهي غاية قد تبدو قريبة في الأفق، رغم استمرار الخلاف بشأن عدد صغير من النقاط الرئيسية.

بيد أن لمثل هذا النهج جوانبه السلبية هو الآخر، إذ إنه لا يقتصر على تقديم منافع ومكاسب لعدد قليل من الدول فحسب، بل إن أي اتفاق مضمون الربح لأطرافه المشاركة فيه قد يتسبب في الإضرار بمصالح الدول غير المشاركة أيضا.

ولو نظرنا إلى اتفاق اليابان والاتحاد الأوروبي مثلا لوجدنا أن الولايات المتحدة قد تكون إحدى الدول المتضررة، إذا وضعنا في الاعتبار أن هناك منافسات كثيرة داخل اليابان بين شركات أميركية وأخرى أوروبية في نفس القطاعات.

أما الشراكة عبر المحيط الهادئ بأعضائها الاثني عشر (أحد عشر الآن)، فتقع في منطقة ما بين هذين النهجين، والهدف منها هو تحصيل أفضل ما في العالمَين.

إذ يمكن لنهج الشراكة بين الدول صاحبة النصيب الأضخم في التجارة العالمية -الذي تقوم عليه الشراكة عبر المحيط الهادئ- تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر من تلك التي تحققها الاتفاقيات الثنائية، لأن مثل هذا النهج يحفز التجارة والتدفقات الاستثمارية -بأساليب تشمل مواءمة القواعد التنظيمية والمعايير- عبر مساحة أكبر من الاقتصاد العالمي.

لكن هذه الشراكة ليست ضخمة للغاية على العكس من منظمة التجارة العالمية، ولا تشمل أطرافا شديدة التنوع والاختلاف يصعب معها كثيرا التوصل إلى اتفاق.

وربما كان لنهج الشراكة بين الدول صاحبة النصيب الأضخم في التجارة العالمية ميزة أخرى تتوافر أيضا في منظمة التجارة العالمية، وهي أن مشاركة عدد أكبر من الأطراف يقلل سلطة وهيمنة أي دولة كبرى، مما يحد من قدرتها على إرغام مشاركيها في المفاوضات على الدخول في اتفاق غير متوازن.

موقف الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ يعد فريدا وعجيبا، لأن لها مصلحة وطنية قوية فيها، والآن لن تحصل عليها. وعندما تبدأ الشراكة عبر المحيط الهادئ في النجاح والازدهار بعد استثناء الولايات المتحدة منها؛ ستتمنى الشركات الأميركية حينها لو لم يحرمها ترمب من الاستمتاع بساعة الشاي في مضمار الغولف

وقد تكون هذه النقطة تحديدا هي السبب وراء رفض ترمب للشراكة عبر المحيط الهادئ، في ظل ما عُرف عنه من ولع بـ”عقد الصفقات”، إضافة إلى وعوده باتباع سياسة تجارية تقوم على مبدأ “أميركا أولاً”. لذا فإن الاتفاقيات الثنائية -من وجهة نظره- تخول الولايات المتحدة كقوة سياسية واقتصادية مهيمنة وضعا أقوى عند التفاوض والمساومة.

لكن النقطة التي يعجز ترمب عن إدراكها هي أن الولايات المتحدة قد تنجح في تخويف وإرهاب دولة صغيرة على مائدة التفاوض، لكن هذه الأخيرة قد تعترض وتنسحب أيضا.

والأهم من ذلك هو أن المنافع والمكاسب التي قد تجنيها الولايات المتحدة من أي اتفاق ثنائي لن تفوق بالضرورة المكاسب المحتملة من تلك الاتفاقيات الأكبر نطاقا، حتى ولو استطاعت أميركا استخدام ثقلها لوضع بنود أكثر انحيازا لمصالحها في أي سياق للتفاوض الثنائي.

وينطبق هذا بالتأكيد على الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي احتوت على بنود كانت تصب في مصلحة الاقتصاد الأميركي بدرجة كبيرة. وأذكر هنا -على وجه الخصوص- أن الاتفاقية كانت ستعطي الشركات الأميركية حق الدخول إلى أسواق كانت مغلقة أمامها لفترة طويلة.

كما كانت البنود المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والمحاسبة وحل النزاعات ستنحاز كثيرا لمصلحة وول ستريت والمحامين الأميركيين، لدرجة فجرت الانتقادات بسبب الظلم الواقع على الأطراف الأخرى. لكن تمت الموافقة على تلك البنود بناء على توقعات بأنها كانت ستجبر الصين على الالتزام بتلك المعايير في النهاية.

وفي هذا السياق، أذكر أن أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا جاجديش باجواتي قال لي ذات مرة “إن الشراكة عبر المحيط الهادئ تشبه إلى حد ما السماح لأشخاص بلعب الغولف في نادٍ معين، مقابل الذهاب إلى كنيسة بعينها في عطلة نهاية الأسبوع”.

فالموقعون على الاتفاق انجذبوا إليه بسبب لعب الغولف الذي يتمثل هنا في التجارة الموسعة وتدفقات الاستثمار، لكنهم لم يستطيعوا تحاشي الاضطرار لقبول القواعد التي كانت تصب في مصلحة الولايات المتحدة، أملا في أن يساعد هذا القربان في تقييد سلوك الصين.

إن موقف الولايات المتحدة -في هذا السياق- يعد فريدا وعجيبا، لأن لها مصلحة وطنية قوية في كل من ملعب الغولف والكنيسة. والآن لن تحصل على أي منهما. وعندما تبدأ الشراكة عبر المحيط الهادئ في النجاح والازدهار بعد استثناء الولايات المتحدة منها؛ ستتمنى الشركات الأميركية حينها لو لم يحرمها ترمب من الاستمتاع بساعة الشاي في مضمار الغولف.

[ad_2]

لینک منبع